نشر بتاريخ: 2026/05/14 ( آخر تحديث: 2026/05/14 الساعة: 10:38 )

حينما تتلاطم الامواج بفتح تكون البوصلة ابو علي شاهين.

نشر بتاريخ: 2026/05/14 (آخر تحديث: 2026/05/14 الساعة: 10:38)

الكوفية مرت حركة فتح على مدار مسيرتها النضالية بالعديد من المحطات والأزمات، واستطاعت من خلال الرؤية الاستراتيجية لقادتها المؤسسين القدرة على التكيف وإدارة الأزمة، بل استغلالها وتحويلها إلى فرصة.

في هذا المقال سأستعرض أزمات مرت بها الحركة وكنت شاهدًا على كيفية الخروج منها... وهنا سأركز على نماذج عايشت بعضها مع القائد الفتحاوي والوطني الكبير أبو علي شاهين.

النموذج الأول بعد حقبة السبعينات وانحصار العمل الوطني على المجموعات الفدائية والعمل العسكري، حيث كان الفدائيون آنذاك يتعرضون للملاحقة والاعتقال والاستشهاد، وكان الأسر تشعر بالخوف والرهبة والملاحقة من الاحتلال، مما حصر الانتماء لفتح والعمل في صفوفها لفئات قليلة من الشباب التي آمنت بفكرتها وعقدت العزم على الانضمام إليها. خرج أبو علي شاهين من المعتقلات ليبدأ برؤيته الفذة تأسيس إطار نقابي اجتماعي تطوعي أسماه "الشبيبة"، ليكون الرافد الأكبر للحركة في الأراضي المحتلة، لنبدأ مرحلة المد الجماهيري بقوة لفتح، رغم أنه كان لفتح في الخارج اتحاد الطلبة واتحادات العمال واتحاد المرأة، لكن نشاطها اختصر بالخارج، وإن وُجد في الداخل لم يكن بالفعالية والقوة التي أصبحت فيها فتح بعد تأسيس الشبيبة كإطار تطوعي اجتماعي.

والذي كان لتأسيسها دور مهم ومركزي في قيام الانتفاضة الأولى وقيادتها.

محطة أخرى كانت بعد قدوم السلطة الوطنية إلى أرض الوطن، وفي ظل وجود التشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية، وفي مرحلة تباين الآراء حول استحقاقات المناضلين الفتحاويين وحصولهم على مواقع داخل السلطة وإنصافهم، حيث كانت هناك حالة تذمر وإحباط لدى كوادر فتح. لولا وجود رؤية لتفاديها لربما انعكست على فتح وعلى مشروع السلطة برمته، فكان أبو علي شاهين أول المبادرين لتأسيس لجنة تقييم للمناضلين واعتماد سنوات الانتماء والاعتقال كسنوات خدمة فعلية في الحركة، وتكون لها رتب تنظيمية تنصفهم.

محطة أخرى عند إجراء الانتخابات التشريعية عام 2005 وهزيمة فتح وفوز حركة حماس، تباينت المواقف حولها وأصيب كوادر فتح بالإحباط واليأس، وتجمع كل كادر فتح وقتها مساءً في بيت المناضل أبو علي شاهين والوجوه شاحبة والدموع تنهمر. قال أبو علي شاهين كلمته المشهورة التي أراحت قلوبنا وأعادت لنا الثقة:

"لا تزعلوا يا شباب، إن السلطة كالخمر تأتي بالروؤس، خلّوا الناس تجرب حماس وإحنا نعيد ترتيب فتح".

وفي تلك الفترة خرج أبو علي شاهين بمسيرته الفردية المشهورة من مكتبه ليقف أمام المجلس التشريعي ليقول عبارته الشهيرة: "لا يحكمني ملثم"، وكانت لديه رؤية استراتيجية أن هؤلاء الملثمين ذاهبون بنا إلى المجهول.

محطة أخرى أيضًا عايشتها معه حينما قامت انتفاضة الأقصى، وشعر بأهمية وجود دور لفتح فيها في ظل تنامي مجموعات عسكرية في الضفة الغربية ومسميات أخرى في غزة لا تمت لفتح بصلة، واندفع الفتحاويون للانخراط بها. جاء أبو علي شاهين ليبدأ من رفح تشكيل مجموعات كتائب شهداء الأقصى، والتي سرعان ما انتشرت على مستوى محافظات القطاع، لتكون فتح حاضرة في محطات النضال، ولا يغيب دورها الطليعي كتنظيم ثوري حاضر ومتجدد في كل المراحل.

اليوم، ونحن نعيش مرحلة حساسة بعد سنوات حرب طاحنة وإبادة جماعية في غزة، ومحاصرة السلطة في الضفة ومحاولة شطبها وشطب قضية اللاجئين من خلال شطب الأونروا، ومحاولة تصفيتها كمقدمة لتصفية القضية الفلسطينية، وفتح اليوم تعقد مؤتمرها الثامن في ظل حالة انقسام سياسي وفتحاوي، وفي ظل سياسة الإقصاء والتهميش وحالة الاحتقان لدى كوادر فتح، وفي ظل غياب رؤية استراتيجية لفتح لمواجهة كل التحديات القائمة، وفي ظل تلاطم الأمواج بفتح ومحاولة تغييبها والخروج عن نظمها ومبادئها وغياب بوصلتها، وفي ظل الاجتهادات المتباينة حول كيفية مواجهة هذه الأخطار والمستقبل المجهول... نحن بحاجة إلى أبو علي شاهين رحمه الله وجعل مثواه الجنة.