نشر بتاريخ: 2026/05/05 ( آخر تحديث: 2026/05/05 الساعة: 20:26 )

المطران عطا الله حنا: الاعتداءات على المسيحيين في القدس “عنصرية وممنهجة” وتستهدف الهوية الفلسطينية

نشر بتاريخ: 2026/05/05 (آخر تحديث: 2026/05/05 الساعة: 20:26)

الكوفية قال رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا، إن الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين في القدس وفلسطين "عنصرية" و"ممنهجة" وطالت تقريبا كل رجال الدين المسيحيين، مؤكدا مساهمة ساسة إسرائيليين في تغذيتها.

وأضاف -في حوار صحفي- أن سلطات الاحتلال تسعى لبسط هيمنتها وتغيير ملامح القدس، وتهميش وإضعاف البعد العربي الفلسطيني الإسلامي المسيحي في المدينة المقدسة، داعيا المرجعيات الدينية المسيحية في العالم لضرورة الالتفات إلى القدس وإلى الشعب الفلسطيني الذي يعيش ظروفا مأساوية.

وهز مشهد الاعتداء العنيف لمستوطن إسرائيلي على راهبة فرنسية في البلدة القديمة بالقدس -والذي نشر الجمعة الماضي-، الوسط المقدسي والمسيحي، ومع أنه ليس الأول من نوعه، فإنه يقرع جرس إنذار جديد حول تصاعد الانتهاكات التي تستهدف رجال الدين المسيحيين ودور العبادة في المدينة المحتلة.

وأعادت هذه الحادثة إلى الواجهة سلسلة طويلة من الاعتداءات والمضايقات التي يتعرض لها المسيحيون ومقدساتهم منذ عام 1967، وكانت من بين العوامل الأساسية التي دفعت الكثير منهم إلى الهجرة من البلاد، خلافا لمزاعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم إبادة في غزة.

ويقدر عدد المسيحيين في القدس اليوم بنحو 9 آلاف و900 نسمة يتوزعون على 13 كنيسة رسمية، وينتمي 5500 منهم إلى الكنيسة اللاتينية، و2300 لكنيسة الروم الأرثوذكس، ويشكل هؤلاء ما نسبته 87% من مسيحيي المدينة، في حين يتوزع البقية على الكنائس الأخرى.

بداية نود معرفة بعض التفاصيل عن الراهبة التي تعرضت للاعتداء على يد مستوطن مطلع الشهر الجاري؟

هذه الراهبة فرنسية، والجميع شاهد مقطع الفيديو الذي يوثق الاعتداء عليها بينما كانت تسير في طريق العودة إلى الدير الذي تخدم وتعيش فيه.

تم الاعتداء عليها بوحشية وهمجية وأصيبت ببعض الجروح والرضوض الشديدة، لكنها اليوم في حالة أفضل، وهي تتعافى داخل الدير القريب من باب العمود.

نعرب عن شجبنا واستنكارنا ورفضنا للتعدي الذي تعرضت له الراهبة المسالِمة والتي لم تعتدِ أو تتطاول على أحد، بل اعتدي عليها بشكل ظالم ما يدل على أن الفاعل ينتمي إلى المدرسة العنصرية التي لا تحترم التعددية الدينية، فهؤلاء يريدون أن تكون القدس لهم ولا يحترمون التعددية الدينية في المدينة.

ما الاعتداءات والمضايقات التي يتعرض لها المسيحيون في فلسطين، خاصة في القدس؟

الاعتداءات والمضايقات التي يتعرض لها المسيحيون في فلسطين هي ذاتها المضايقات التي يتعرض لها المسلمون، نحن شعب واحد، مسيحيين ومسلمين وكلنا مستهدفون في مقدساتنا وأوقافنا وفي كل تفاصيل حياتنا.

المسيحيون يتعرضون للمضايقات وللاستهداف في أعيادهم ومناسباتهم ومقدساتهم، وهنالك مجموعات متطرفة من المستوطنين الذين يسيئون إلى الرموز الدينية المسيحية ويبصقون على رجال الدين ويشتمون ويتعاملون بطريقة عدائية وعنصرية.

عندما يمرون بالقرب من رجل دين مسيحي أو راهبة أو كنيسة، يبصقون ويشتمون ويهينون هذه الرموز الدينية، وهذه مدرسة عنصرية تستهدف المسيحيين وأبناء شعبنا الفلسطيني بشكل عام.

ونلاحظ تصاعدا في وتيرة هذه الانتهاكات، ونرى ذلك بأم العين كل يوم ولا أظن أن هنالك رجل دين مسيحي في القدس لم يتعرض في يوم من الأيام للشتيمة والإهانة والبصق، فغالبية رجال الدين المسيحي والراهبات يتعرضون لمثل هذه الإهانات.

ما أود أن أقوله إننا كمسيحيين وبالرغم من كل ذلك، باقون في هذه الأرض ولن نتخلى عن انتمائنا لهذه البقعة المقدسة، ولن نتخلى عن انتمائنا للقدس التي فيها أهم المقدسات المسيحية لا سيما كنيسة القيامة.

وسنبقى في القدس مسيحيين ومسلمين كما في كل فلسطين.. شعبا واحدا، فالأقصى والقيامة في القدس توأمان لا ينفصلان، ومن يعتدي على المسيحي يعتدي على المسلم والعكس صحيح، ووحدتنا كفلسطينيين هي قوة لنا في مواجهة هذه الانتهاكات وهذه العنصرية المستشرية.

من يقف خلف تلك الاعتداءات ولماذا؟ وهل هي فردية أم منظمة؟

أعتقد أنكم تابعتم تصريحات أحد الوزراء الإسرائيليين الذي قال إن البصق على المسيحيين هو "تقليد يهودي قديم" وهو ليس جريمة.

عندما يقول ذلك المسؤول الإسرائيلي، فكلامه يعني أنه يشجع على البصق على المسيحيين وشتمهم والاعتداء على رموزهم الدينية ومقدساتهم، وهذه مدرسة عنصرية موجودة في القدس بشكل خاص، ونحن نلمس وجود هذا الفكر العنصري الذي يعادي المسيحيين والمسلمين والفلسطينيين بشكل عام.

سلطات الاحتلال تسعى لبسط هيمنتها وسيطرتها، وتغيير ملامح القدس، وتهميش وإضعاف البعد العربي الفلسطيني الإسلامي المسيحي في المدينة المقدسة، فالمسجد الأقصى المبارك مستهدف أيضا بعدة سياسات وبالاقتحامات، وكذلك الأوقاف والمقدسات المسيحية.

كلنا مستهدفون، وهذا احتلال يعاملنا كفلسطينيين على أننا غرباء، ورسالتنا للعالم دائما أننا لسنا غرباء ولا جالية في وطننا، ولا بضاعة مستوردة من هنا أو هناك، بل نحن أصيلون في انتمائنا لهذه الأرض، والقدس تسكن فينا لا نحن من نسكن بها، وننتمي لمقدساتها بكل جوارحنا.

كيف تؤثر الاعتداءات العنصرية على الوجود المسيحي الفلسطيني؟

في الحقيقة هناك تراجع في أعداد المسيحيين، ليس ذلك حديث العهد فمنذ النكبة في عام 1948 والنكسة في عام 1967 وحتى الآن تتراجع نسبة المسيحيين في المجتمع الفلسطيني.

الاحتلال هو السبب في ذلك، وكذلك الظروف الاقتصادية والمعيشية وجدار الفصل العنصري، فعلى سبيل المثال لا الحصر تحتضن القدس أهم المقدسات المسيحية والإسلامية ويأتي إليها زوار من كل أرجاء العالم يقطعون ساعات طويلة في الطائرة.

أما الفلسطيني الذي ينحدر من مدينة بيت لحم -التي تبعد عن القدس مسافة 15 دقيقة في المركبة فقط- فهو محروم من الوصول إلى مدينته، وتراجعت أعداد المسيحيين في هذه المحافظة بالتحديد بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وبالتالي لجأ الكثيرون إلى الهجرة وغادروا هذه الأرض التي تنتشر فيها البطالة والفقر والعوز إلى أماكن أخرى التماسا للكرامة ولقمة العيش الكريمة.

الفلسطينيون محاصرون، وغزة تعرضت لحرب إبادة وهي مدمرة وبحاجة لإغاثة عاجلة وسريعة، وتراجعت أعداد المسيحيين فيها أيضا.

كيف تنظر إلى مواقف الكنائس العالمية والمجتمع الدولي تجاه الانتهاكات ضد المسيحيين على وجه التحديد؟

أعتقد أن كل رجل دين من كل الأديان وكل إنسان حكيم ومسؤول يجب أن يرفض الاعتداءات على دور العبادة ورجال الدين ولا أظن أن هناك رجلا حكيما أو مؤمنا أو صادقا أو رصينا يمكنه أن يقبل بمثل هذه الممارسات والسياسات.

دعوتنا دائما هي احترام دور العبادة ورجال الدين والرموز الدينية في كل الأديان، ونرفض العنصرية والكراهية والتطاول على الأديان ورموزها، وننادي دائما باحترام الخصوصية الدينية لكل إنسان مؤمن بعيدا عن خطاب العنصرية والكراهية.

نحن على تواصل دائم ومستمر مع كافة الكنائس وقبل عدة سنوات أُطلقت مبادرة من فلسطين ومن بيت لحم تحديدا وهي "المبادرة المسيحية الفلسطينية" والتي تهدف لمخاطبة العالم المسيحي والكنائس حول الانتهاكات الخطيرة التي ترتكب بحق شعبنا الفلسطيني.

أعتقد أن مواقف الكنائس في العالم تتطور يوما بعد يوم بشكل أفضل، وهناك تضامن وتعاطف وتفهم لمعاناة الشعب الفلسطيني خلال العامين المنصرمين بسبب حرب الإبادة، ولم يتوقف هذا التواصل بل ازداد في ظل هذه الجرائم التي تُرتكب بحق شعبنا الفلسطيني.

موقف الكنائس جيد ونتمنى أن يكون أفضل، ونسعى لذلك، وننادي كل الكنائس في العالم بضرورة التضامن مع الشعب الفلسطيني المظلوم، ودائما نقول لهم إنهم عندما يتضامنون مع فلسطين وشعبها فإنهم يتضامنون مع أقدس بقعة في هذا العالم، والتي اختارها الله لكي تتجسد فيها محبته للإنسانية.

فعندما يدافعون عن فلسطين وشعبها يدافعون عن أقدس وأهم وأعرق حضور مسيحي في هذا العالم، وأنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الإنساني.

هل هناك تواصل خاص لغرض توفير حماية دولية للمقدسات والمجتمع المسيحي؟

نعم، التواصل لم يتوقف في الحقيقة، ومنذ سنوات نستقبل الوفود الدولية القادمة من مختلف أرجاء العالم، وتحديدا في مؤتمر "كايروس" السنوي، وهو مؤتمر المبادرة المسيحية الفلسطينية الذي يعقد عادة في بيت لحم وتشارك به وفود من مختلف أنحاء العالم.

أعتقد أن العالم اليوم يزداد وعيا تجاه القضية الفلسطينية، وهناك اتساع في رقعة التضامن وتفهم لمعاناة هذا الشعب وهذه الدماء وهذه الآلام، والمعاناة الحقيقية حركت الضمائر الحية والأحرار في كل مكان ونتمنى أن تتسع رقعة المتضامنين ورقعة الذين يقفون إلى جانب الحق والشعب الفلسطيني المظلوم.

ماذا بوسع القيادات الدينية المحلية أن تفعل للحد من هذه الاعتداءات؟

يجب أن تتضافر الجهود وأن يكون هنالك تعاون وهو بالطبع موجود بين المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية، ويجب أن نخاطب العالم بلغة واحدة، وأن نبعث للعالم بأسره برسالة موحدة، وأن ننادي بتحقيق العدالة.

يقولون لنا إنهم يريدون السلام وطبعا كلنا نريد ذلك، لكنه لا يبنى إلا من خلال تحقيق العدالة والأمنيات وتطلعات الشعب الفلسطيني.

ما رسالتك للمسيحيين في العالم؟ وما المطلوب من الفلسطينيين أنفسهم؟

نناشد المرجعيات الدينية المسيحية في العالم ونطالبها بضرورة الالتفات إلى القدس والشعب الفلسطيني وأهلنا في غزة الذين يعيشون أوضاعا مأساوية.

القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني شأن يخص كل إنسان حر في هذا العالم والكنائس في كل العالم يجب أن تقوم بدورها المأمول في الدفاع عن الشعب الفلسطيني المظلوم.

أما المطلوب من الفلسطينيين فهو أكثر من أي جهة أخرى، أن يتوحدوا ويلفظوا الانقسامات ويرتبوا البيت الفلسطيني الداخلي وأن يعملوا من أجل ترتيب أوضاعهم وشؤونهم ليكونوا أقوياء في مواجهة التحديات والمؤامرات التي تستهدف الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

أعتقد أن ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي مسألة في غاية الأهمية، ويجب أن يتفاعل ويتعاون الجميع من أجل أن يكون البيت الفلسطيني موحدا وقويا في مواجهة العواصف والمؤامرات والمشاريع الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية.