نشر بتاريخ: 2026/02/22 ( آخر تحديث: 2026/02/22 الساعة: 16:51 )
المستشار د. أحمد يوسف

الصهيونية المسيحية بين العقيدة والسياسة: قراءة في مقابلة السفير الأمريكي مع تاكر كارلسون

نشر بتاريخ: 2026/02/22 (آخر تحديث: 2026/02/22 الساعة: 16:51)

الكوفية أثارت المقابلة التي جمعت السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والفكرية، لا سيما أنها لامست واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الأمريكية المعاصرة: الصهيونية المسيحية، وحدود الولاء بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإشكالية التداخل بين الدين وصنع القرار السياسي.

لم يكن الحوار عابرًا أو تقنيًا، بل انطوى على أسئلة جوهرية تتعلق بالهوية والانتماء، وبطبيعة العلاقة التي تربط واشنطن بتل أبيب. فقد طرح كارلسون تساؤلات صريحة حول ما إذا كانت بعض التيارات السياسية الأمريكية، المتأثرة بالتصورات الدينية الإنجيلية، تنظر إلى إسرائيل ليس فقط كحليف استراتيجي، بل ككيان ذي قداسة دينية تسبق أحيانًا حسابات المصلحة الوطنية الأمريكية. وهنا بدا النقاش أقرب إلى مساءلة فكرية للظاهرة المعروفة بـ"الصهيونية المسيحية"، التي تستند إلى تأويلات لاهوتية ترى في قيام إسرائيل تحقيقًا لنبوءات توراتية.

السفير، المعروف بخلفيته الإنجيلية المحافظة، دافع عن متانة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية باعتبارها تحالفًا يقوم على القيم المشتركة والمصالح الاستراتيجية، لا على اعتبارات دينية خالصة. إلا أن المقابلة كشفت عن توتر خفي بين خطابين: خطاب سياسي براغماتي يؤكد أن التحالف يخدم الأمن القومي الأمريكي، وخطاب عقائدي يعتبر دعم إسرائيل التزامًا إيمانيًا لا يخضع لمعادلات الربح والخسارة.

هذا التداخل بين العقيدة والسياسة ليس جديدًا في الولايات المتحدة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، برز التيار الإنجيلي المحافظ كقوة انتخابية مؤثرة، خصوصًا داخل الحزب الجمهوري. ومع صعود هذا التيار، أصبح دعم إسرائيل جزءًا من الهوية السياسية لبعض القادة، ليس فقط من باب التحالف الجيوسياسي، بل انطلاقًا من قراءة دينية للتاريخ والنبوة. وهنا تكمن الإشكالية: هل يمكن للدولة الحديثة، التي يفترض أن تستند إلى حسابات المصالح القومية، أن تُدار بمنطق لاهوتي؟

كارلسون، في أسئلته، بدا وكأنه يختبر حدود هذا المنطق. فقد ألمح إلى أن الولاء الأول لأي مسؤول أمريكي يجب أن يكون للدستور والمصلحة الوطنية، لا لأي اعتبارات خارجية مهما كانت طبيعتها. وفي هذا السياق، عاد النقاش القديم حول مفهوم "تضارب الولاءات"، وهو مفهوم حساس في الثقافة السياسية الأمريكية، إذ يُنظر بعين الريبة إلى أي انحياز قد يُفهم على أنه تفضيل لمصالح دولة أخرى.

لكن من المهم التمييز بين مستويين: مستوى التحالف الاستراتيجي المشروع بين دولتين، ومستوى التماهي الأيديولوجي الذي قد يخلط بين السياسة والإيمان. فالولايات المتحدة دعمت إسرائيل تاريخيًا لأسباب تتعلق بالتوازنات الإقليمية، والردع، والاعتبارات الداخلية، وليس فقط بدوافع دينية. غير أن الصهيونية المسيحية أضفت على هذا الدعم بعدًا رمزيًا وروحيًا، ما جعل أي نقد للسياسات الإسرائيلية يُصوَّر أحيانًا كخروج على الثوابت الدينية.

وفي تقديري الشخصي، فإن ما نشهده اليوم يتجاوز السياقات التقليدية لهذا التحالف. فالعلاقة التي برزت بوضوح بين الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump ورئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بدت أقرب إلى تحالف ذي طابع أيديولوجي معلن، يجمع بين المسيحية الصهيونية في نسختها الأمريكية، والصهيونية الدينية المتطرفة في إسرائيل. لقد أقمت في الولايات المتحدة قرابة عقدين من الزمن خلال الثمانينيات والتسعينيات للدراسة والعمل، وعايشت عن قرب طبيعة الخطاب السياسي هناك، ولم أشهد آنذاك هذا المستوى من التماهي العلني بين المرجعية الدينية وصناعة القرار الخارجي، ولا هذا الخطاب الذي يضفي على العلاقة بين البلدين طابعًا يكاد يكون "مقدسًا". كان التحالف قائمًا، نعم، لكنه ظل محكومًا بلغة المصالح والاستراتيجيات، لا بلغة الاصطفاف العقائدي الصريح كما يبدو اليوم.

المقابلة أعادت فتح هذا الملف في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، وتتعالى في الداخل الأمريكي أصوات تطالب بإعادة تقييم العلاقة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ينبغي أن تُفصل المعتقدات الدينية عن دوائر صنع القرار الخارجي؟ أم أن القيم الدينية جزء لا يتجزأ من الهوية السياسية الأمريكية؟

إن الخطر لا يكمن في الإيمان ذاته، بل في تحوله إلى أداة تبرير سياسي مطلق. فحين يُختزل الصراع في إطار نبوءات لاهوتية، تغيب لغة القانون الدولي، وتتراجع الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بحقوق الشعوب. وحين يصبح دعم دولة ما "واجبًا إيمانيًا"، تتقلص مساحة النقد والمساءلة.

في المحصلة، كشفت مقابلة السفير مع تاكر كارلسون عن انقسام فكري داخل المجتمع الأمريكي حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل: هل هي علاقة تحالف عقلاني محكوم بالمصالح، أم التزام عقائدي يتجاوز حدود السياسة؟ هذا السؤال سيبقى مطروحًا ما دامت الصهيونية المسيحية لاعبًا مؤثرًا في المشهد السياسي الأمريكي، وما دام التوتر قائمًا بين الدولة المدنية الحديثة والتأويلات الدينية للتاريخ والسياسة.