ترامب ونتنياهو: حدود المساومات والمقايضات!
عبد المجيد سويلم
ترامب ونتنياهو: حدود المساومات والمقايضات!
السؤال الذي يجري عليه التركيز الشديد، ويبدو وكأنّه السؤال الوحيد، والسؤال الأهم هو: ماذا يريد بنيامين نتنياهو من دونالد ترامب؟ في حين يبدو سؤال: ماذا يريد ترامب من نتنياهو؟ في المرتبة الثانية من الأهمية، بل وأحياناً لا يُطرح إلّا لماماً، وبصورة عارضة.
وضع السؤال وكأنّه قائم على طرف واحد من معادلة العلاقة بين أميركا ودولة الاحتلال، وبين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يشي بأنّ ثمّة قصديّة من وراء هذا التركيز، عنوانها السياسي الأبرز هو أن الأخير ما زال اللاعب الأكبر والأهم في أميركا، وأنه ما زال من القوة والمكانة لكي يملي على ترامب ما يجب أن يفعله، وما يتعيّن عليه أخذه بالحسبان، بل وما لا يجوز مجرّد التأجيل حتى لبعض مسائله وقضاياه.
ما تتمّ «الفشخرة» به عن أن نتنياهو سيطلب من ترامب «إذناً» لضرب إيران بصورة منفردة في الوقت «المناسب» ليس له أيّ أساس من الصحّة، لأن هذا الأمر من المحظورات السياسية لسببين على الأقل:
الأوّل، هو أن أميركا لا تنظر إلى الصراع مع إيران باعتباره ملفاً إسرائيلياً إلّا بالقدر الذي تتقاطع به وفيه المصالح الإسرائيلية الخاصة بالمصالح الأميركية العامة والشاملة، وحيث إن هذه الأخيرة تنطوي على اعتبارات إستراتيجية حول مسائل الطاقة، وحول مصالح أميركا في الخليج العربي، دولاً وقواعد وثروات، وهو الأمر الذي يعني بكل بساطة أن هذه المصالح لا تترك للاعتبارات الإسرائيلية مهما بلغت أهميتها الخاصة.
وأما الثاني، فإن أميركا ستتورّط في صراع كهذا، سواء رغبت أم لا، وبالتالي فإن مبدأ «حماية» دولة الاحتلال سيفضي حتماً إلى انخراط أميركا في حرب تُجرّ إليها بدلاً من التخطيط لها.
وحول حث نتنياهو لترامب بتوجيه ضربة «قاصمة» لإيران، فهذه، أيضاً، حتى وإن تم ذلك تبدو لغواً فارغاً إذا كان القرار الأميركي هو الذهاب إلى الحرب، لأن الأمر في هذه الحالة لا يحتاج إلى حثّ نتنياهو، وهو من قبيل الكذب والمبالغة الإعلامية إذا كان القرار الأميركي بالإقلاع عن فكرة الحرب ولو حتى مؤقّتاً.
أقصى حدود المساومة هنا هي أن يتمّ تعهد الإدارة الأميركية بأن لا يتمّ التوصل إلى أي نوع من الاتفاق حول الملف النووي مؤقّتاً هنا، أيضاً، وذلك لأن نتنياهو «سيتبجّح» أمام المجتمع الإسرائيلي بأنه قد استطاع تعطيل «الاتفاق».
لكن الأمر هنا ليس بهذه البساطة.
وهنا علينا ــ كما أرى ــ أن نمعن النظر في عدّة أمور تبدو جوهرية سيتعيّن على نتنياهو أن يقبل بأن التعطيل الذي سيحلو له تسويقه على كونه الإنجاز الكبير بالمقارنة مع اتفاق تراه دولة الاحتلال كلّها، وليس فقط نتنياهو سيعني عدم الانتقال إلى الملفّ الصاروخي، أو ملفّ «الأذرع» الإيرانية في الإقليم، بحيث يبدو معه «إنجاز» عدم الاتفاق أقلّ شأناً، وبما لا يُقاس من الملفّ الصاروخي، ومن ملفّ «الأذرع». وهنا فإن مراهنة نتنياهو على هذا «الإنجاز» لا تبدو أنها ستصمد كثيراً كإنجاز حقيقي.
وعلى الجانب الآخر من هذه الصورة فإن تعطيل الوصول إلى اتفاق، وعدم الحسم باتجاه حرب مع إيران لا يفيد الإدارة الأميركية في شيء، خصوصاً وأن ترامب في حال إن «عطّل» عمداً الوصول إلى اتفاق سيبدو قد خسر الصورة على مستوى أنه القادرة على إجبار إيران على الرضوخ لشروطه، وعلى مستوى تسويق شيء في كامل الملفّ الإيراني قبل الانتخابات النصفية.
والاستنتاج هنا، أيضاً، هو أن نتنياهو يخدع نفسه بإنجاز التعطيل، ولا يمكنه أن يفلت من الإخفاق في المسّ بالصواريخ الإيرانية، والتي تقدّر كل الأوساط السياسية والأمنية لديه أنها أهم وأخطر من تفاصيل الملفّ النووي في هذه المرحلة بالذات.
وإذا افترضنا أن المساومة بقيت عند هذه الحدود المتواضعة من حيث العوائد الحقيقية للطرفين معاً فإن علينا أن نحاول فهم ما يمكن أن يكون خلف هذه العوائد المتواضعة. إحدى أهم القضايا التي يمكن أن تكون في خلفية كل ذلك هي أن نتنياهو قد تمّ استدعاؤه لمقايضات ومساومات أخرى تماماً.
القرار الأميركي الذي سيبلّغه ترامب لنتنياهو هو أنّ الحرب إذا لا بدّ أن تقع فإنها ستقع عندما ترى أميركا، من على أساس مصالحها الشاملة في الإقليم بأنها باتت ممكنة، وأنها ضرورية بقدر ما تكون ممكنة.
وبالتالي فإن أميركا لن تتردّد في الوصول إلى اتفاق جديد إذا كانت شروطه ممكنة في الملفّ النووي أوّلاً، وبحيث تمتد عمليات تفاوض بمشاركة ورقابة دول الإقليم لكافة الترتيبات العسكرية والأمنية التي تحفظ لإيران قدراً من القدرات الصاروخية الرادعة، وقدراً محدداً ومحدوداً من علاقاتها بـ»الأذرع»، وتحفظ لكل دول الإقليم قدراً معيّناً من «الاستقرار»، وقدراً عالياً من الشعور بالأمان الإستراتيجي، وليس فقط العيش على حافّة الخوف من أن تؤدّي الصراعات إلى انفجارات مدمّرة، أو اهتزازات متتالية ومتكرّرة.
إذا تأكّدت إيران باليقين، وليس بالتخمين أن الأمور يمكن أن تصل إلى هذا المستوى من التفاهمات فإنها ستقدّم من التنازلات في الملفّ النووي ما يكفي ترامب للذهاب إلى «النصفية» بإنجاز يبدو من حيث الصورة وكأنّه واحد من أكبر الإنجازات على الإطلاق، خصوصاً وأنه يعاني من حالة قحط كبير في مجال الإنجازات، مقابل وفرة كبيرة في جانب الإخفاقات.
ما يعزّز هذا الاحتمال هو أن قدرة اللوبي الصهيوني على اللعب والتلاعب بالأوضاع والمعادلات الداخلية الأميركية قد ضعفت كثيراً بعد فضائح جيفري إبستين، وهناك انطباعات تتوسّع في كل دقيقة لدى قطاعات متزايدة من الأميركيين، ومن «الحزب الجمهوري»، ومن القاعدة الشعبية لترامب بأن ثمّة علاقة كانت قائمة بصورة لم تعد تقبل المزيد من الجدل ما بين «إبستين» وما بين أجهزة الأمن الإسرائيلية.
والأرجح في ضوء احتمال من هذا القبيل أن يتمّ «تقليص» سقف التوقّعات الإسرائيلية من هذا الاستدعاء، وأن تتمّ بين الطرفين مقايضات على مستويات أخرى لا تقل أهمية بالنسبة لدولة الاحتلال، ولا تقل خطورة علينا، وعلى المنطقة كلّها.
وأغلب الظن أن دولة الاحتلال ستذهب قُدماً في التوغّل أكثر فأكثر في مخطّطات تكريس واقع الضمّ العدواني الفعلي في الضفة الغربية دون إعلانات صاخبة بموافقة ضمنية من أميركا، وبمعارضة إعلامية فقط، خصوصاً وأن المواقف العربية والإسلامية، لا ترقى بأيّ شكلٍ من الأشكال إلى مستوى ما وصلت إليه الأمور على مستوى هذا الضمّ، وإلى مستوى ما تبقّى من إجراءات وخطوات لاستكمال الضمّ الكامل والشامل، وبحيث لا يتبقّى في الواقع شيء يتطلّب الإعلان عنه.
وأغلب الظنّ، أيضاً، أن دولة الاحتلال ستحصل على أُذونات خاصة ومُوسّعة لافتعال مزيد من الاعتداءات، والعربدات في السّاحة اللبنانية، وربّما في ساحات أخرى.
على أن الحرب على القطاع ستظلّ السّاحة الأهمّ التي سيتمّ فيها إطلاق يد حكومة الاحتلال لمنع الانتقال الحقيقي إلى أيّ مرحلة جديدة، وإبقاء القطاع يدور في حلقة مفرغة حول نفس مسائل الموت والتجويع وإعاقة كل ما من شأنه أن يعطي لما تسمّى «مرحلة وقف إطلاق النار»، أي معنى، أو أي مضمون له علاقة بإعادة الحدّ الأدنى من أشكال العودة إلى الحياة.
وفي هذه الأثناء كلّها ستتعيّن مراقبة التطوّرات من قبل الإدارة الأميركية، ومن قبل دولة الاحتلال فيما إذا كانت هذه التطوّرات وهذه المساومات، وهذه المقايضات كفيلة بـ»العوائد» الانتخابية المفترضة والمنتظرة أم لا؟
وفي حالة إن لم تكن كذلك، وكانت «العوائد» أقلّ من المتوقّع فإنّ الحرب بكل ما تنطوي عليه من أخطار، ومغامرات ستطرح على جدول الأعمال فوراً، إن لم يكن لتحقيق نتائج كبيرة، حتى وبأثمانٍ باهظة، فلأجل الهروب من الاستحقاقات الانتخابية، وذلك «أضعف الإيمان».
أمّا إذا رأت الإدارة الأميركية أن كل هذا الانتظار لا معنى له، وأن «الفضائح» ستمنع موضوعياً أيّ مكاسب على كلّ الأحوال فإن خيار حرب المقامرة الأخيرة المبكّرة تبدو واردة، خصوصاً وأن الأوساط «اليمينية» الأميركية العنصرية باتت تشعر بأنّ الحرب ربّما تكون «الحلّ» الوحيد الضروري، وهنا سيلتقي الهدف الأميركي مع الهدف الإسرائيلي، ويمكن أن تنقلب كل التوقّعات.
فهل ستسمح بواقي «الدولة العميقة» في أميركا بعدم تدارك الأمر قبل فوات الأوان، أم أن هذه البواقي باتت أضعف من أن تقوم بهذا الدور الذي يبدو مصيرياً لأميركا وعلى كل مستوى وصعيد؟.