قلعة الشقيف… ذاكرةٌ لا تُحتل
قلعة الشقيف… ذاكرةٌ لا تُحتل
الكوفية استيقظنا على صورة العلم الإسرائيلي مرفوعاً فوق قلعة الشقيف في جنوب لبنان، فارتدت الذاكرة الفلسطينية إلى واحدة من أكثر محطاتها إيلاماً وفخراً في آنٍ واحد. فهذه القلعة لم تكن يوماً مجرد موقعٍ جغرافي أو معلمٍ تاريخي، بل تحولت في الوعي الوطني الفلسطيني، وخصوصاً لدى أبناء حركة فتح، إلى رمزٍ من رموز الصمود الفدائي في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
في الشقيف، كتبت كتيبة الجرمق ومعها المقاتلون الفلسطينيون والعرب صفحةً استثنائية من صفحات البطولة. هناك لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين غير متكافئين في العدد والعدة، بل كانت مواجهة بين إرادة البقاء ومنطق القوة، بين أصحاب القضية وأصحاب التفوق العسكري. ولهذا بقيت الشقيف حاضرة في الوجدان الفلسطيني بوصفها قلعة الفدائيين قبل أن تكون قلعةً من حجارة.
ولعل ما يمنح الشقيف مكانتها الخاصة في الوجدان الفتحاوي أنها لم تبقَ أسيرة الروايات العسكرية وكتب التاريخ، بل تحولت إلى جزءٍ من الذاكرة الشعبية الفلسطينية التي حملتها الأناشيد الوطنية إلى الأجيال المتعاقبة. فقد كانت القلعة حاضرة في واحدة من أشهر أناشيد الثورة الفلسطينية التي حفظها أبناء فتح ورددوها لعقود: «قلعة الشقيف اللي بتشهد يا بيروت، علّي داسوا راس الحيّة، والشجر قاتل والحجر يا بيروت، والواحد جابه دورية». ولم تكن هذه الكلمات مجرد نشيدٍ عابر، بل كانت اختزالاً لمرحلةٍ كاملة من البطولة والصمود، وتجسيداً لصورة الفدائي الفلسطيني الذي واجه الاجتياح والحصار بإرادةٍ تجاوزت حدود الإمكانات العسكرية. ولذلك فإن مشهد العلم الإسرائيلي فوق القلعة اليوم لا يستدعي حدثاً عسكرياً فحسب، بل يوقظ ذاكرةً وطنيةً كاملة؛ ذاكرة الشهداء والمقاتلين والأناشيد والحكايات التي جعلت من الشقيف رمزاً متجذراً في الوعي الفلسطيني وعنواناً من عناوين الاعتزاز بتاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة.
ولذلك فإن الألم الذي ولّدته صورة العلم الإسرائيلي فوق أسوارها لا يرتبط بالمكان وحده، وإنما بما يمثله هذا المكان من ذاكرةٍ نضالية متراكمة. فالأمم لا تبكي حجارتها، بل تبكي ما تختزنه تلك الحجارة من معانٍ وتضحيات وحكايات شهداء.
غير أن وجع الشقيف لم يكن منفصلاً عن مشاهد أخرى اعتاد الفلسطيني رؤيتها خلال السنوات الأخيرة. فكما آلمتنا الأعلام الإسرائيلية فوق أسوار الشقيف، آلمتنا كذلك الأعلام التي رُفعت في القدس العربية المحتلة، وعلى الطرق التي تربط بين محافظات الوطن، وآلمتنا المشاهد التي سعت إلى تكريس حضور السيادة الإسرائيلية في الفضاء العام الفلسطيني، بما في ذلك ترديد النشيد الوطني الإسرائيلي في محيط المسجد الأقصى المبارك. فهذه المشاهد لا تُقرأ في الوعي الفلسطيني باعتبارها مظاهر احتفالية عابرة، وإنما باعتبارها رسائل سياسية ورمزية تتجاوز المكان والزمان، وتهدف إلى تكريس واقع القوة وإعادة تشكيل المشهد البصري والسيادي في المنطقة.
ومن هنا، فإن ما جرى في الشقيف لا يمكن عزله عن سياق أوسع يتمثل في محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، والسيطرة على الرموز بقدر السيطرة على الجغرافيا. فالصراعات الحديثة لم تعد تقتصر على احتلال الأرض، بل أصبحت تمتد إلى احتلال الرواية والرمز والذاكرة. ولذلك تسعى القوى المهيمنة دائماً إلى السيطرة على المواقع التي تحمل قيمة تاريخية أو معنوية، لأنها تدرك أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان.
لقد أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية مبكراً أن الصراع مع الاحتلال ليس "صراع حدود" فحسب، بل "صراع وجود" وهوية وذاكرة. ولهذا كانت القلاع والمخيمات والمدن المحاصرة تتحول إلى رموز وطنية تتجاوز حدود الجغرافيا. ومن هنا جاءت مكانة "الشقيف" في الوعي الفتحاوي؛ فهي ليست مجرد موقع شهد معركة، بل شاهد على مرحلةٍ من تاريخ الثورة الفلسطينية حملت الكثير من التضحيات والآمال والأحلام الوطنية الكبرى.
لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن السيطرة العسكرية على المكان لا تعني امتلاك معناه. فقد تعاقبت على الشقيف إمبراطوريات وجيوش وقوى كثيرة، وبقيت القلعة شاهدة على أن الجغرافيا قد تتبدل، أما الذاكرة الجمعية للشعوب فتبقى أكثر رسوخاً من كل الخرائط المؤقتة.
ولهذا ستظل الشقيف في الوعي الفتحاوي والفلسطيني عنواناً للفخر لا للهزيمة، ورمزاً للصمود لا للانكسار. ستظل مرتبطة بأسماء الشهداء والمقاتلين الذين دافعوا عنها، وبمرحلةٍ شكلت جزءاً مهماً من تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة.
قد تُرفع فوق القلاع أعلامٌ كثيرة، وقد تتغير موازين القوة من زمنٍ إلى آخر، لكن ما يبقى في النهاية هو الحكاية التي يكتبها أصحاب الأرض والتضحيات. فالشقيف التي سكنت أناشيدنا وذاكرتنا ووجداننا الوطني ستبقى قلعةً للفدائيين مهما تبدلت الرايات فوق أسوارها، لأن الأمم تحفظ تاريخها في الذاكرة لا في مواقع السيطرة العسكرية المؤقتة.
أما الشقيف، فستبقى في الذاكرة الفلسطينية قلعةً للفدائيين، وواحدةً من الشواهد الحية على أن الرموز الكبرى لا تُحتل، مهما تعاقبت فوقها الرايات.