نشر بتاريخ: 2026/05/31 ( آخر تحديث: 2026/05/31 الساعة: 12:17 )
إدوارد كتورة

لا توقظوا طائر الفينيق

نشر بتاريخ: 2026/05/31 (آخر تحديث: 2026/05/31 الساعة: 12:17)

الكوفية كلما ضاقت الساحات السياسية في لبنان، واشتدت الأزمات، وارتفعت كلفة الأسئلة الحقيقية، يخرج من يفتش عن هدف سهل يوجه إليه أصابع الاتهام. ومرة أخرى يجد بعض المحرضين في اللاجئ الفلسطيني مادة جاهزة للاستثمار الإعلامي والشعبوي، ظناً منهم أن التحريض على الضعفاء يصنع شعبية، وأن الكراهية يمكن أن تتحول إلى برنامج سياسي.

لكن ما يبدو أن هؤلاء لم يتعلموه بعد، هو أن الفلسطيني ليس ظاهرة عابرة في التاريخ، ولا رقماً يمكن شطبه بخطاب تلفزيوني أو منشور على مواقع التواصل. إنه شعب تعرض للتهجير والحصار والحروب والمجازر ومحاولات الاقتلاع المتكررة، ومع ذلك بقي حاضراً في المشهد، ينهض كل مرة من تحت الركام كما ينهض طائر الفينيق من رماده.

من حق أي دولة أن تناقش سياساتها وقوانينها ومصالحها الوطنية. لكن ليس من حق أحد أن يحول اللاجئ إلى شماعة للفشل، أو أن يجعل من التحريض على شعب مشرد بديلاً عن مواجهة الفساد الحقيقي والانهيار الحقيقي والمسؤولين الحقيقيين عن الكارثة التي يعيشها اللبنانيون والفلسطينيون معاً.

يعرف الفلسطينيون أكثر من غيرهم ثمن الصبر. ويعرفون أيضاً أن لحمهم كان دائماً مراً على كل من حاول كسر إرادتهم أو إلغاء وجودهم. عشرات المشاريع مرت عليهم، من التهجير إلى التصفية إلى التذويب إلى العزل، وبقي الفلسطيني حيث ظن خصومه أنه لن يبقى. ولذلك فإن الذين يعتقدون أن حملات التحريض يمكن أن تدفع الفلسطيني إلى التخلي عن كرامته أو هويته أو حقوقه، يكررون أخطاء سبقتهم إليها قوى أكبر وأكثر نفوذاً وفشلت.

ليست المشكلة في بضعة تصريحات هنا أو هناك. المشكلة في العقلية التي تظن أن تجريد الإنسان من حقوقه يصنع الاستقرار، وأن إذلال اللاجئ يحل الأزمات. هذه العقلية لم تنتج في أي مكان سوى المزيد من الاحتقان والانقسام والتوتر.

والرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى كل من يعبث بهذه النار هي أن الفلسطيني ليس عدواً للبنان، ولم يكن يوماً سبباً في انهيار دولته أو إفلاس مؤسساته. أما تحويله إلى خصم داخلي فهو لعبة خطيرة لا تخدم إلا من يريدون الهروب من المسؤوليات الحقيقية.

أما للفلسطينيين، فالتاريخ يشهد أنكم لم تكونوا يوماً شعباً يُقهر بسهولة. تحملتم ما عجزت عنه شعوب كثيرة، ودفنتم أحلاماً ثم عدتم لتزرعوها من جديد. ولهذا ربما يجدر بالبعض أن يتعامل بعقلانية أكبر مع شعب خبر معنى البقاء أكثر مما خبر معنى الهزيمة.

فلا تختبروا صبر من اعتاد مواجهة العواصف.

ولا تراهنوا على انكسار من جعل من النكبة قضية ومن اللجوء هوية مقاومة.

ولا توقظوا طائر الفينيق.

لأن الشعوب التي اعتادت النهوض من الرماد لا تخيفها حملات التحريض، بل تجعلها أكثر تمسكاً بحقها في الحياة والكرامة والعودة.