نشر بتاريخ: 2026/02/03 ( آخر تحديث: 2026/02/03 الساعة: 12:55 )

ترامب في مشهدية الشرق الأوسط: مسعِّر حرب أم صانع سلام؟

نشر بتاريخ: 2026/02/03 (آخر تحديث: 2026/02/03 الساعة: 12:55)

الكوفية يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واحدًا من أكثر الرؤساء إثارةً للجدل والتناقض في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما في تعاطيه مع قضايا الشرق الأوسط. فالرجل الذي يتحدث أحيانًا عن “مجلس للسلام” ويدعو قادة العالم للانضمام إليه، هو ذاته الذي لا يتردد في إطلاق تهديدات فجّة لدول أوروبية ولاتينية، بل وحتى لحلفاء تقليديين، بلغة لا تُبقي للودّ والدبلوماسية أي مساحة تُذكر.

هذا التناقض الصارخ جعل قراءة شخصية ترامب وسياساته محل انقسام حاد بين المحللين. فثمة من يراه سياسيًا براغماتيًا يوظّف الصدمة والتهديد كأدوات تفاوض، بينما يذهب آخرون إلى اعتباره شخصية غير متزنة، تحكمها نزعة استعراضية، وتُدار سياساته الخارجية وفق أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وضغوط اللوبي الصهيوني المتطرف داخل الولايات المتحدة.

خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد الحديث بشكل لافت عن احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، ما وضع المنطقة بأسرها على حافة توتر غير مسبوق. أساطيل تتحرك، تصريحات تتوعد، وحشود سياسية وإعلامية تُنذر بأن الشرق الأوسط يقف على صفيح استراتيجي ساخن. والسؤال الجوهري هنا: هل نحن أمام بداية مواجهة كبرى، أم أن الأمر لا يتعدّى لعبة “عضّ الأصابع” التي لم تصل بعد إلى لحظتها الحاسمة؟

إيران، من جهتها، مارست خلال الجولة الأولى من التصعيد سياسة ضبط النفس، ولم تردّ عسكريًا على الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآتها النووية، في محاولة واضحة لاحتواء المواجهة ومنع انزلاقها إلى حرب مفتوحة. غير أن تغيّر نبرة الخطاب الأمريكي، والحديث المتزايد عن “تغيير النظام” في طهران، يضع القيادة الإيرانية أمام معادلة مختلفة تمامًا: الدفاع عن الدولة والسيادة مهما كانت الكلفة.

لا أحد يملك يقينًا حول طبيعة الرد الإيراني المحتمل، أو حجمه، أو توقيته. لكن المؤكد أن إيران، وإن كانت لا تراهن على التفوق العسكري التقليدي، إلا أنها تعتمد عقيدة قتالية مختلفة، تقوم على استنزاف الخصم، وضرب هيبته، وتهديد مصالحه الحيوية في المنطقة. وفي حال اندلاع مواجهة شاملة، فإن الولايات المتحدة لن تخرج منها دون خسائر سياسية وعسكرية، وربما تآكل في صورتها كقوة مهيمنة لا تُمس.

في المقابل، تعيش الأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي حالة من الوهن والعجز، تجعلها غير قادرة على تحمّل كلفة أي اختلال جديد في موازين القوى. غير أن هذا الضعف الرسمي لا يعكس بالضرورة مزاج الشعوب، التي ترى في السياسات الأمريكية، المنحازة لإسرائيل، شريكًا مباشرًا في الحروب والدمار، ولا سيما في غزة. وهو ما يغذّي مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام، ويُنذر بتحولات طويلة الأمد في علاقة شعوب المنطقة بالولايات المتحدة وحلفائها.

دوليًا، تراهن طهران بلا شك على مواقف داعمة أو متفهمة من قوى كبرى كروسيا والصين، في ظل تصاعد التنافس الدولي، وتراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها منفردة. كما أن قراءة الخريطة السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها تكشف أن إيران، في الواقع، لا تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، ولا حتى لإسرائيل، ما لم تبادر الأخيرة بعمل عسكري واسع يجرّ المصالح الأمريكية إلى قلب المواجهة.

من هنا، تبدو احتمالات حصول ترامب على تفويض من الكونغرس لتوجيه ضربة عسكرية كبرى لإيران ضعيفة للغاية. فأي تجاوز للدستور الأمريكي في هذا السياق قد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية وسياسية خطيرة، ويعيد إلى الواجهة ملفات المحاكمة والعزل، فضلًا عن قضايا الفساد الأخلاقي والسياسي التي تلاحق ترامب منذ سنوات.

خلاصة المشهد أن المنطقة تقف اليوم أمام لحظة شديدة الخطورة، حيث تتداخل حسابات القوة، والغرور السياسي، والتوظيف الانتخابي، مع واقع إقليمي هشّ ومثقل بالجراح. وإذا ما وقعت المواجهة، فلن تكون بلا تداعيات وعواقب تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. وحدها الأيام المقبلة، بما تحمله من مفاجآت، ستكشف إن كان ترامب مسعّرًا لحرب جديدة، أم صانع سلام يهوى اللعب على حافة الهاوية.