ترامب يأخذ العالم لقانون الغاب
رجب أبو سرية
ترامب يأخذ العالم لقانون الغاب
منذ دخل البيت الأبيض، والرئيس دونالد ترامب، يأخذ العالم بأسره، من حالة توتر لحالة أخرى، وهو على عكس ما قال وأدعى، ليس برجل سلام يسعى لإطفاء نيران الحروب في أكثر من مكان في العالم، بل هو يفرض حربا عالمية ذات طابع اقتصادي، تتضمن حيث تقتضي الضرورة إشعال حرب عسكرية هنا أو هناك، وإن بشكل خاطف، المهم أن تتحقق النتيجة، وهي أن يحصل على ثروات الآخرين، وأن يبقي على «مكانة» أميركا عظيمة وفق شعاره، وذلك باستخدام هراوتها العسكرية، وعام واحد انقضى من بين أربعة أعوام من ولايته، يؤكد بأنه يسعى لنشر قانون الغاب بدلا من القانون الدولي، وذلك في حالتي الحرب والسلم معا، بل إنه اكثر من ذلك يبدو في طريقه إلى تفكيك المنظمة الدولية نفسها، التي تحمي القانون الدولي، والتي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية من أجل تجنيب العالم ويلات الحروب.
وقد أشرنا في مقالنا السابق، الأسبوع الماضي، إلى أن ترامب عبر ما أطلق عليه «مجلس السلام» الدولي، وبالتزامن مع إخراج بلاده من 60 مؤسسة ومنظمة تابعة للأمم المتحدة، ذاهب لتشكيل منظمة دولية موازية، أو على الأقل تفكيك الأمم المتحدة، وإقامة تكتل دولي يخضع له بشكل تام، فهو وفق ذلك المجلس الوحيد الذي يملك سلطة إصدار قراراته، ولأنه دعا إليه ما يقارب 60 دولة، فهذا يعني انه بصدد مواجهة الأمم المتحدة و»بريكست» معا، بتكتل دولي أميركي، يجمع نحو ثلث دول العالم، التي تخضع للإرادة الأميركية بشكل تام، ورغم أن الأمم المتحدة ليست ذلك النظام «المثالي» الذي يساوي بين الدول في النفوذ والتأثير، ويتضح ذلك من خلال كون قرارات الجمعية العامة، هي قرارات معنوية إلى حد ما، بينما قرارات مجلس الأمن أقوى، خاصة حين تكون تحت البند السابع، وكذلك لكون مجلس الأمن محكوما بالتمييز بين أعضائه، حيث تتمتع خمس دول فقط بسلطة النقض وبعضويته الدائمة، والأهم أن الأمم المتحدة، لا قوة عسكرية لديها، ولا جيش، إلا ما يقرره مجلس الأمن في حالات ما من تشكيل قوات حفظ سلام، تساهم فيها بعض الدول الأعضاء.
رغم هذا ورغم تمتع الولايات المتحدة بحق النقض (الفيتو) في مجلس امن الأمم المتحدة، ورغم أن مدينة نيويورك الأميركية هي مقرها، ورغم أن الأميركيين هم اكثر الجنسيات العاملة في منظمات الأمم المتحدة، وكذلك رغم أن أميركا هي اكثر دولة تمويلا للمنظمة الدولية، وبذلك هي اكثر الدول تأثيرا عليها، إلا أنها لم تعد تعجب ترامب وإدارته الشعبوية، لذلك هي تواصل الانسحاب من منظماتها لإضعافها، وصولا لتفكيكها، وهذا يتطلب بالضرورة إقامة بديل ما، يبدو أنه هو «مجلس السلام» الذي يتجاوز مهمة إدارة غزة ما بعد الحرب، إلى إدارة الشرق الأوسط، والعالم، فيكون بذلك نواة للنظام العالمي الأميركي الذي لا يترك مكانا لا للمساواة بين الدول، ولا للشراكة على إدارة العالم مع احد، حيث تكون إدارة وقيادة النظام العالمي هي مهمة حصرية ووحيدة لأميركا، بل لترامب شخصيا وحده.
وحتى بعد أن تنقضي سنواته الثلاث المتبقية في البيت البيض، يبقى هو رئيس مجلس إدارة «مجلس السلام»، هذا ما سيحدث في حال، نجح ترامب تباعا في تحقيق الانتصارات هنا وهناك، وهو يستخدم في تحقيق هدفيه، السطو الاقتصادي، والسيطرة السياسية، على القوة العسكرية، صحيح انه يتجنب خوض حروب طاحنة، ليس المقصود هنا الحروب العسكرية العالمية، ولكن حتى الحروب الموضعية كما ظهرت خلال الحرب الباردة، وحتى ما بعد ذلك من حروب إقليمية خاضتها أميركا سواء في شرق أوروبا، ضد صربيا، لتبديد كل ما تبقى من أنظمة حكم غير خاضعة لإرادتها، أو تلك الحرب التي خاضها الجيش الأميركي في العراق، ومن ثم في أفغانستان، مع الفارق بين الحالتين، وفي كل تلك الحروب لم يخسر الجيش الأميركي الكثير من أرواح جنوده، كما حدث في فيتنام مثلا، لأن أميركا خاضت حروبا غير متكافئة أصلا، في العراق بعد أن تأكدت عبر المفتشين الدوليين من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وفي أفغانستان، مع فارق هائل في ميزان القوة، بعد اعتداءات نيويورك.
أي أن أميركا تخوض حروبا خاطفة، غير مكلفة، تحقق أهدافها بالسيطرة خاصة على دول لديها ثروات طبيعية، فإما أن تعتمد بذلك على فارق القوة العسكرية، كما فعلت قبل عقود، أو اعتمادا على القصف الخاطف كما فعلت العام الماضي مع ايران، أو اعتمادا على التفوق التقني العسكري، كما فعلت مطلع هذا العام مع فنزويلا، وفي كل الأحوال، لا تفكر أميركا، بل لا تجرؤ على الدخول في حرب عسكرية مع «الأنداد العسكريين»، نقصد كلا من الصين، روسيا، وحتى الاتحاد الأوروبي، وقد هدد ترامب بغزو غرينلاند عسكريا، لما لديها من معادن نادرة، واستخف بالطبع بقوة الدنمارك العسكرية، لكنه حين رد عليه الاتحاد الأوروبي، تراجع، وقام بتوجيه بوصلة التهديد نحو ايران، هذا رغم انه يدعي بأنه يطفئ الحروب ولا يشعلها، هذا أولا، والحرب مع ايران لم تكن مشتعلة خلال ولاية جو بايدن، بل إن بايدن منع بنيامين نتنياهو من قصف ايران، وظل يقاتل من أجل منع الحرب الإسرائيلية على غزة من أن تتحول إلى حرب إقليمية في الشرق الأوسط، وثانيا، هو ادعى بأنه بعد أن منح نتنياهو الضوء الأخضر للقيام بالعملية العسكرية ضد ايران طوال 12 يوما، وبعد أن شاركه في اليوم الأخير بقصف المفاعل فوردو، بأنه حقق هدف قطع الطريق على ايران للحصول على القنبلة النووية.
وبات جليا وواضحا، بأن أميركا في عهد ترامب، لا تسير فقط على الطريق المضاد للبشرية الذي يسير عليه نتنياهو منذ اكثر من سنتين وحسب، بل إن ترامب يقود أميركا بشكل مستبد، بشن الحروب الخاطفة مستندا لقوة عسكرية غير تقليدية، قوامها استخباراتي وأسلحة سرية، وفق خطط بالغة السرية والدهاء، حتى لا يضطر لأخذ موافقة الكونغرس المسبقة، وهو في كل الأحوال، يتخذ قراراته وفق قانون الغاب، فلا الاتفاقيات التجارية ولا السياسية ناجمة عن مفاوضات بين طرفين، ولا تستند لا للقانون الدولي ولا للمنطق، وهذا هو مفهوم سلام القوة الذي يتبناه، ويتوافق معه فيه نتنياهو، وترامب في تهديده لإيران باستخدام القوة، وذلك من خلال حشد أساطيله وقواته في الشرق الأوسط، لا يفكر حتى فيما سبق لأميركا وان اعتمدت عليه في غزوها للعراق مثلا، أي التسلح بقرارات دولية من مجلس الأمن بالتحديد، فترامب لا يقيم وزنا لا لمجلس الأمن ولا للأمم المتحدة، ولا للقانون الدولي الذي لا يجيز أصلا ولا بأي شكل اعتداء دولة على أخرى، باستخدام القوة العسكرية، خاصة حين يكون الهدف من ذلك تغيير النظام السياسي في البلد المعتدى عليه.
والسبب في تردد ترامب بعد مضي نحو شهر من التهديد المتواصل بتنفيذ الهجوم على ايران مرتبط بتقديرات الأجهزة العسكرية والأمنية الأميركية والإسرائيلية معا، والتي ترجح بأن ايران ستكون قادرة على الرد، أي أن ترامب عاجز عن توجيه ضربة خاطفة لإيران كما فعل مع فنزويلا، بما يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية، ستطال كل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، وإسرائيل بالطبع، وبشكل لا احد يمكنه أن يحدد مداها وتوقيت انتهائها.