حين يصبح الإصلاح ضرورة وطنية لا خياراً تنظيمياً
إدوارد كتورة
حين يصبح الإصلاح ضرورة وطنية لا خياراً تنظيمياً
الكوفية لا تولد التيارات الوطنية في لحظات الهدوء، بل في لحظات الاختبار. ولا تنشأ مشاريع الإصلاح حين تكون الأبواب مفتوحة، بل عندما يختنق الأفق، وتتراكم الأخطاء، ويشعر الشعب أن صوته لم يعد مسموعاً داخل أطره التاريخية. من هذا السياق تحديداً، وُلد التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح، لا بوصفه تمرّداً على التاريخ، بل استجابةً مخلصة له، ولا كخروج عن الحركة، بل كصرخة من داخلها.
لقد جاء التيار نتيجة مسار طويل من التهميش السياسي، واحتكار القرار، وتراجع القيم التي قامت عليها حركة فتح كحركة تحرر وطني جامعة، تتسع للاختلاف، وتحمي التعدد، وتضع الإنسان الفلسطيني في صدارة أولوياتها. ومع الوقت، بات واضحاً أن الإصلاح لم يعد ترفاً فكرياً أو مطلباً نخبويّاً، بل شرطاً لبقاء المشروع الوطني نفسه.
وسطية واعية في زمن الانقسام الحاد
في بيئة فلسطينية مشبعة بالاستقطاب، والانقسام، والتخوين المتبادل، اختار التيار الإصلاحي الديمقراطي موقعاً بالغ الصعوبة: موقع الوسط الوطني. لكنه لم يكن وسطاً هروبياً أو ضبابياً، بل وسطية واعية، تستند إلى الثوابت الوطنية، وتقرأ الواقع بعين سياسية باردة لا بعاطفة فصائلية ساخنة.
هذه الوسطية جعلت التيار قادراً على مخاطبة جميع مكونات الشعب الفلسطيني، من دون ادّعاء الوصاية على أحد، وقادراً على التواصل مع مختلف الفصائل، بما فيها قوى المقاومة، على قاعدة الاحترام المتبادل وتكامل الأدوار لا كسر الإرادات. كما جعلته شريكاً موثوقاً لدى الجهات الرسمية اللبنانية، ومحل اهتمام لدى الأطراف الإقليمية والدولية التي تبحث عن صوت فلسطيني عقلاني، غير متورط في المغامرة، وغير خاضع للإملاء.
في زمن العناد السياسي، كان التيار يقول إن الوحدة لا تُفرض، وإن المقاومة لا تُدار بالشعارات، وإن السياسة من دون أخلاق وطنية تتحول إلى عبء على أصحابها.
فتح التي نؤمن بها… لا فتح التي تُحتكر
رغم كل ما تعرض له من إقصاء وتشويه، لا يزال التيار الإصلاحي الديمقراطي يؤكد انتماءه العميق إلى حركة فتح، باعتبارها الإطار التاريخي الأوسع للحركة الوطنية الفلسطينية. فتح التي نؤمن بها ليست ملكاً لأفراد أو مجموعات، ولا تُختزل في موقع أو سلطة، بل هي فكرة تحرر، وهوية وطنية، وتجربة نضالية قابلة دوماً للمراجعة والتجديد.
التيار لا يقف خارج فتح، ولا يسعى إلى هدمها، بل يعمل على إنقاذها من التحول إلى كيان مغلق، وإعادتها إلى دورها الطبيعي كحركة جامعة، تعددية، ديمقراطية، قادرة على استيعاب النقد لا قمعه، وعلى إنتاج قيادة لا توريثها.
نخبة عابرة للجغرافيا… وخطاب يفهم العالم
استمد التيار الإصلاحي الديمقراطي جزءاً كبيراً من قوته من تركيبته البشرية والفكرية. فهو يضم نخبة واسعة من المثقفين، والأكاديميين، والباحثين، والخبراء القانونيين، والإعلاميين، المنتشرين في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة. هذا الامتداد لم يكن ترفاً تنظيمياً، بل شكّل رافعة أساسية لبناء خطاب وطني حديث، قادر على مخاطبة المؤسسات الدولية، وفهم آليات صنع القرار العالمي، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية بلغة القانون والشرعية الدولية، لا بلغة الشكوى أو المظلومية فقط.
من السياسة إلى المبادرة: اختبار المصداقية الحقيقي
في الساحة اللبنانية، حيث تتقاطع الملفات الفلسطينية مع تعقيدات الدولة والمجتمع والسيادة، أثبت التيار الإصلاحي الديمقراطي أنه ليس تيار بيانات، بل تيار مبادرات. فقد كان حاضراً في كل نقاش جدي يتصل بحقوق الفلسطينيين في لبنان، من حق العمل، إلى التملك، إلى الحقوق الإنسانية والاجتماعية، مقدّماً مقاربات واقعية تحمي كرامة اللاجئ ولا تصطدم بمصالح الدولة المضيفة.
وفي أكثر الملفات حساسية، ملف السلاح الفلسطيني، رفض التيار منطق الفوضى كما رفض منطق الاستهداف، وطرح رؤية تقوم على التنظيم والمسؤولية الوطنية، بما يحفظ أمن المخيمات، ويمنع استخدامها كوقود لصراعات لا تخدم القضية الفلسطينية.
كما كان التيار من أوائل من خاضوا معركة محاربة الفساد داخل وكالة الأونروا، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الدفاع عن حق اللاجئ يبدأ من الدفاع عن نزاهة المؤسسات التي أُنشئت لخدمته.
غزة: حين تتقدّم الإنسانية على الاستثمار السياسي
خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وفي خضم “طوفان الأقصى” وما تلاه، سقطت كثير من الأقنعة، وبقي الفعل هو معيار الصدق. في تلك اللحظة، تحرك التيار الإصلاحي الديمقراطي بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وركز على ما هو أكثر إلحاحاً: دعم صمود الناس، وتأمين المساعدات الإنسانية، وتنسيق الإغاثة، والمساهمة في تخفيف الكارثة قدر الإمكان.
لم يكن الهدف تسجيل موقف سياسي، ولا استثمار الدم في البازار الفصائلي، بل القيام بواجب وطني وأخلاقي، في واحدة من أقسى لحظات التاريخ الفلسطيني الحديث. وهذا ما جعل التيار، باعتراف كثيرين، الجهة الفلسطينية القادرة فعلياً على العمل الإنساني المنظم في تلك المرحلة.
المصلحة الوطنية أولاً… بلا شعارات
في زمن تختلط فيه السياسة بالمصالح الشخصية، وتُختزل فيه القضية الفلسطينية بحسابات ضيقة، يطرح التيار الإصلاحي الديمقراطي معادلة واضحة: لا قيمة لأي موقع أو نفوذ إذا كان ثمنه كرامة الشعب، ولا شرعية لأي خطاب لا يترجم إلى خدمة الناس.
قد لا يدّعي التيار امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنه يصرّ على امتلاك البوصلة: بوصلة المصلحة الوطنية، والالتزام الأخلاقي، والإيمان بأن القضية الفلسطينية تستحق قيادة ترتقي إلى حجم تضحيات شعبها، لا إدارة أزمة دائمة باسمه.
في زمن الانكسارات الكبرى، قد يبدو هذا الطرح طموحاً. لكنه في الحقيقة، الحد الأدنى من الوفاء لفلسطين.