نشر بتاريخ: 2026/01/04 ( آخر تحديث: 2026/01/04 الساعة: 19:09 )
إدوارد كتورة

اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني في لبنان: محاولة تصويب لا منافسة

نشر بتاريخ: 2026/01/04 (آخر تحديث: 2026/01/04 الساعة: 19:09)

في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية، تتكاثر فيها الأزمات السياسية والتمثيلية بقدر ما تتكاثر التحديات الوجودية، يبرز اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني في لبنان بوصفه استجابة سياسية وقائية أكثر منه مشروعاً بديلاً. فهو لا يتقدم على أنقاض الشرعيات القائمة، ولا يسعى إلى ملء فراغ متوهم، بل يتحرك في المساحة الأخطر: مساحة تصويب المسار قبل الانهيار، وترميم ما تصدّع قبل أن يصبح الكسر نهائياً.

هذا اللقاء، بطبيعته وتركيبته، لا ينازع على تمثيل ولا يدّعي حلولاً جاهزة، بل ينطلق من قناعة مركزية مفادها أن الشرعية الوطنية الفلسطينية لا يمكن القفز فوقها، وأن الإطار المعترف به دولياً ما زال يشكل المرجعية السياسية الجامعة، مهما بلغت الانتقادات أو عمق الإخفاقات. التمسك بهذه الشرعية ليس موقفاً عاطفياً، بل قراءة واقعية لموازين القوة، ولمحدودية الخيارات المتاحة أمام شعب يخوض صراعاً مفتوحاً على هويته ووجوده.

بين الشرعية وسوء الإدارة

غير أن التمسك بالشرعية لا يعني الصمت عن الخلل. فالمشكلة التي تتفاقم اليوم لا تكمن في الإطار بحد ذاته، بل في طريقة إدارته، وفي النزعة المتزايدة إلى حصر القرار الوطني ضمن دائرة ضيقة، أقصت الشراكة، وحيّدت المؤسسات، وحوّلت التمثيل من تكليف وطني إلى امتياز مغلق. هذا الاستفراد بالقرار لم يضعف الثقة الشعبية فحسب، بل أضعف قدرة النظام السياسي الفلسطيني على المناورة، وعلى تمثيل الكل الفلسطيني في الداخل والشتات.

من هنا، يأتي اللقاء التشاوري كمنصة ضغط سياسي ناعم، لا كأداة صدام. فهو يطرح سؤال الإصلاح من داخل الشرعية، لا من خارجها، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الشرعية من دون مشاركة تتحول مع الوقت إلى عبء، وأن أي إطار يفقد قدرته على استيعاب التعدد يتحول إلى إطار هش، مهما كانت مكانته التاريخية.

الشراكة كضرورة لا كترف

أحد أخطر ما أصاب الحالة الوطنية الفلسطينية في السنوات الأخيرة هو تآكل مفهوم العمل الجماعي، واستبداله بإدارة فوقية لا تستشير ولا تنسق ولا تحاسب. هذا النهج، إذا استمر، لا يهدد وحدة القرار فحسب، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات لا تخدم أحداً، لأن السياسة، كما الطبيعة، لا تقبل الفراغ. وعندما يُغلق باب المشاركة، تُفتح نوافذ البدائل، حتى لو لم تكن مرغوبة أو مخططة.

اللقاء التشاوري يقرأ هذا الخطر مبكراً، ويحاول سحبه من التداول عبر إعادة وضع الشراكة على السكة، لا عبر القطيعة، بل عبر الضغط باتجاه الإصلاح، وتوسيع دوائر التشاور، وإعادة الاعتبار لمفهوم القيادة الجماعية. الرسالة هنا واضحة لمن يريد أن يقرأها: لا مصلحة وطنية في إنتاج أجسام موازية، ولا جدوى من تفريغ الإطار الجامع من مضمونه عبر التفرد والتعالي السياسي.

إصلاح المنظمة بوصفه المدخل الوحيد

الحديث عن إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. فالإطار الذي قاد الشعب الفلسطيني لعقود، في الداخل والشتات، لا يمكن أن يستعيد دوره من دون مراجعة جادة لبنيته التمثيلية، وآليات اتخاذ القرار داخله، وحدود المشاركة فيه. فتح باب التعديل، والانضمام، وإعادة التمثيل على قاعدة الحجم الحقيقي لكل مكون، ليس تهديداً للوحدة، بل شرطاً لها.

اللقاء التشاوري في لبنان يلتقط هذه اللحظة، ويدفع باتجاه إعادة المنظمة إلى دورها الطبيعي: مظلة جامعة، لا نادٍ مغلق، وقيادة للشعب الفلسطيني بكل أماكن وجوده، لا إدارة جزئية لملف دون آخر. فاستعادة الدور القيادي لا تمر عبر الاحتكار، بل عبر التوسيع، ولا عبر التعجرف السياسي، بل عبر التواضع المؤسسي.

بين التحذير والفرصة

في جوهره، لا يحمل هذا الحراك رسالة تحدٍ، بل رسالة إنذار مبكر. إن استمرار إدارة الشأن الوطني بعقلية التفرد، ورفض المشورة، وتهميش الشراكة، سيؤدي حتماً إلى إعادة تشكيل المشهد، لا لأن أحداً يريد ذلك، بل لأن الواقع سيفرضه. وفي المقابل، فإن التقاط هذه الإشارات، وفتح باب الإصلاح الحقيقي، قد يحول هذا اللقاء من مجرد مساحة تشاورية إلى رافعة سياسية داعمة للاستقرار الوطني.

الفرصة ما زالت قائمة. لكن التاريخ الفلسطيني لا يرحم من يضيّع الفرص مرتين. والفرق بين التصويب والانفجار، غالباً، لا يتجاوز قراراً شجاعاً في الوقت المناسب.