نشر بتاريخ: 2026/10/20 ( آخر تحديث: 2026/10/20 الساعة: 14:49 )
وليد العوض

حوار وطني أم حوار طرشان؟

نشر بتاريخ: 2026/10/20 (آخر تحديث: 2026/10/20 الساعة: 14:49)

تتسرب بخجل من أروقة الحوار الفلسطيني أنباء عن تعثر الجولة الأولى من المشاورات التي بدأت بلقاءات ثنائية بين حركة فتح وكل من حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، وسط حديث عن تحفظات جوهرية أبدتها حركة حماس على بعض النقاط التي طرحها الرئيس محمود عباس أساساً للانتقال إلى حوار وطني شامل. ووفقاً لما نُقل، فإن الحركة بحاجة إلى مزيد من الوقت لدراسة هذه النقاط في أطرها القيادية.

وإذا صحت هذه الأنباء، فإنها تعيد إلى الواجهة سؤالاً بات الفلسطينيون يطرحونه بمرارة بعد سنوات طويلة من الحوارات والاتفاقات التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ: هل نحن أمام حوار وطني جاد يستهدف إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم أمام جولة جديدة من إضاعة الوقت، أقرب إلى حوار الطرشان، يتمسك فيها كل طرف بمواقفه المسبقة، وينتظر من الآخرين الموافقة عليها؟

وما يثير القلق أكثر من أنباء التعثر أن التحفظات المنسوبة إلى حركة حماس، إن صحت، تتعلق بالقضايا ذاتها التي شكلت عقبات أمام الحوارات السابقة، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، واعتماد المقاومة الشعبية السلمية، والالتزام بقرارات الشرعية الدولية. وهنا يبرز سؤال لا يمكن القفز عنه: ما الذي ينبغي أن يحدث أكثر مما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية حتى يدرك الجميع أن المراجعة السياسية لم تعد خياراً يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية تفرضها الوقائع وموازين القوى وحجم التضحيات التي دفعها الشعب الفلسطيني؟

ومن المهم التمييز بين النقاط التي طرحها الرئيس محمود عباس باعتبارها مفاتيح لفتح أبواب الحوار الوطني الشامل، وبين البرنامج السياسي الذي ينبغي أن يتوصل إليه هذا الحوار. فهذه النقاط ليست بديلاً عن الحوار، ولا ينبغي أن تحدد نتائجه مسبقاً، وإنما توفر أرضية أولية مشتركة تتيح مناقشة المسار السياسي برمته، واستخلاص دروس التجربة، وتحديد الخيارات الكفيلة بإنهاء الاحتلال وتجسيد سيادة دولة فلسطين. ومن دون التوافق على حد أدنى من هذه المرتكزات، كيف يمكن الانتقال إلى حوار شامل حول القضايا الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها مستقبل النظام السياسي، ووحدة المؤسسات، وأشكال النضال، ومواجهة الاستيطان والضم والتهجير ومحاولات فرض الوصاية؟

لقد كشفت تجربة السنوات الثلاث الماضية، بما حملته من حرب إبادة ودمار وتهجير ومحاولات لتصفية القضية الفلسطينية، عن الاختلال الفادح في موازين القوى، وعن محدودية الرهانات العسكرية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية المدعومة أميركياً. وليس في الاعتراف بهذه الحقيقة انتقاص من حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، بل إدراك بأن مشروعية المقاومة لا تعفي القوى السياسية من مسؤولية اختيار أشكال النضال الأكثر قدرة على حماية الشعب وتحقيق أهدافه الوطنية.

وتبرز هنا مفارقة سياسية يصعب تجاهلها؛ ففي الوقت الذي تسيطر فيه إسرائيل على ما يقارب 70% من مساحة قطاع غزة، ويتواصل الابتلاع الاستيطاني المتسارع لأراضي الضفة الغربية، بما يهدد بتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، تبرز، وفق الأنباء المتداولة، تحفظات على اعتماد الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، والمقاومة الشعبية السلمية، وقرارات الشرعية الدولية أساساً لبرنامج وطني موحد.

والأكثر إثارة للاستغراب أن ذلك يتزامن مع إبداء مرونة في التعامل مع خطة ترامب، رغم ما تنطوي عليه من ترتيبات تمس مستقبل قطاع غزة وسيادته، وتطرح قضية نزع السلاح وإخضاع القطاع لترتيبات أمنية وإدارية خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية، في سياق القرار 2803. وتتعمق المفارقة حين يتركز النقاش مع ما يسمى «مجلس السلام» على الالتزام بالخط الأصفر وبرمجة الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من قطاع غزة، فيما تتواصل السيطرة الإسرائيلية على معظم مساحته.

فكيف تصبح المرونة ممكنة أمام خطة أميركية تتضمن نزع السلاح وترتيبات الوصاية، بينما تبدو مستحيلة أمام برنامج وطني فلسطيني يقوم على المقاومة الشعبية السلمية في هذه المرحلة وقرارات الشرعية الدولية؟ وكيف يمكن التفاوض على الخط الأصفر في غزة، بينما توضع العراقيل أمام الاتفاق على حدود الرابع من حزيران 1967 لدولة فلسطين؟

إن الخط الأصفر لا يجوز أن يتحول إلى حدود جديدة لقطاع غزة، ولا إلى واقع دائم يكرس تقسيمه أو يقتطع أجزاء منه، كما أن برمجة الانسحاب التدريجي لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن المطالبة الواضحة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، في إطار إنهاء الاحتلال عن كامل أرض دولة فلسطين.

إن تجسيد سيادة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس، والتمسك بقرارات الشرعية الدولية، واعتماد المقاومة الشعبية السلمية في هذه المرحلة الدقيقة، ليست تنازلات مجانية لأحد، ولا استجابة لشروط خارجية، بل مرتكزات لبرنامج وطني واقعي يمكن أن يوحد الفلسطينيين ويحشد التأييد العربي والدولي. كما أن الاتفاق على هذه المرتكزات لا يعني مطالبة حماس أو غيرها من الفصائل بالاعتراف بإسرائيل، وإنما الالتزام ببرنامج سياسي وطني مشترك.

وفي المقابل، فإن المراجعة المطلوبة تفرض على القيادة الفلسطينية أيضاً مسؤولية مراجعة تجربتها السياسية، وفي مقدمتها المأزق الذي انتهى إليه مسار أوسلو، وضرورة التخلي عن الرهان على الولايات المتحدة الأميركية وسيطاً نزيهاً أو بوابة لتحقيق الحقوق الوطنية، وكذلك عن وهم استمرار المرحلة الانتقالية التي لن تفضي تلقائياً إلى قيام الدولة الفلسطينية مهما طال انتظارها.

فالدولة لا تولد من تمديد المرحلة الانتقالية أو إعادة إنتاج ترتيباتها، وإنما من مسار سياسي وكفاحي جديد يستند إلى حقيقة أن فلسطين دولة تحت الاحتلال، وإلى توظيف الاعتراف الدولي المتنامي بها، وحشد الطاقات الفلسطينية والعربية والدولية لإنهاء الاحتلال وتجسيد السيادة الوطنية على كامل أرضها المحتلة عام 1967، مع إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وشراكة وطنية حقيقية.

كما أن الحوار الذي يفترض أن يكون وطنياً شاملاً لا يجوز أن يبقى رهينة التفاهمات الثنائية بين فتح وحماس، أو أن يعتبر أي طرف أن من حقه استخدام الفيتو لإعاقة التوافق الوطني والخروج من المأزق. فالقضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، والمطلوب مشاركة جميع القوى السياسية والمجتمعية في صياغة استراتيجية وطنية موحدة، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وعلى أساس وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وسلطة وطنية واحدة وقانون واحد وسلاح واحد.

لقد جاء قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتأجيل الانتخابات التشريعية وفتح الباب أمام حوار وطني شامل ليوفر فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني. لكن المفارقة المؤلمة ستكون أن نجد أنفسنا، بعد تأجيل الانتخابات، أمام حوار متعثر، وعندها سيتحول تأجيل الانتخابات، في نظر المواطنين، من فرصة لاستعادة الوحدة الوطنية إلى ذريعة لتعطيل الاستحقاق الديمقراطي، دون تحقيق الوحدة أو تجديد شرعية المؤسسات.

فالحوار الذي يدخل إليه كل طرف مقتنعاً بأنه وحده يمتلك الحقيقة، وأن المطلوب من الآخرين مراجعة مواقفهم دون أن يراجع هو مواقفه، ليس حواراً وطنياً، بل إعادة إنتاج للانقسام بأدوات جديدة.

إن الحوار المطلوب ليس مساومة بين برنامجين أثبتت التجربة عجزهما عن تحقيق الأهداف الوطنية، ولا محاولة لإلحاق طرف بآخر، بل محطة للمراجعة السياسية الشجاعة واستخلاص دروس السنوات الثلاث الماضية، والاتفاق على استراتيجية وطنية تنقل الحالة الفلسطينية من إدارة واقع الاحتلال إلى النضال الموحد لإنهائه.

ومن حق كل حركة سياسية أن تتمسك بقناعاتها، لكن ليس من حق أي طرف أن يطالب شعباً بأكمله بدفع أثمان إضافية لإثبات صحة خيارات لم تنجح التجربة في تحقيق أهدافها. فالقيادة ليست امتحاناً دائماً لصبر الشعب، وإنما مسؤولية عن حياته ومستقبله.

لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً للانقسام، ولم يعد لديه متسع من الوقت ليدفع ثمناً إضافياً لحوار الطرشان. فإما حوار وطني يفتح الطريق أمام الوحدة والديمقراطية والتحرر، وإما أن تتحمل القوى السياسية، جميعها ودون استثناء، مسؤولية إضاعة فرصة أخرى لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني.