نشر بتاريخ: 2026/10/01 ( آخر تحديث: 2026/10/01 الساعة: 15:04 )
ناصر اللحام

حين تسقط المدن… على المثقف أن يبتعد عن السلطان ويعيش مع البؤساء

نشر بتاريخ: 2026/10/01 (آخر تحديث: 2026/10/01 الساعة: 15:04)

حين تهوي المجتمعات، لا تسقط الأبنية وحدها. تسقط معها أشياء كثيرة لا تُرى بالعين: هيبة المؤسسات، ثقة الناس، صورة المستقبل، وربما تسقط اللغة نفسها، حين يصبح الكلام عن العدالة ترفاً، وعن الكرامة شعاراً، وعن الحقيقة مغامرة لا يرغب أحد في دفع ثمنها.

وفي مثل هذه اللحظات، يظهر السؤال القديم من جديد: أين يجب أن يقف المثقف؟

هل يجلس في الصالونات القريبة من أصحاب القرار، يراقب الخراب من خلف الزجاج، ويبحث عن الكلمات التي لا تغضب السلطان؟ أم ينزل إلى الشارع، إلى الأزقة التي انطفأت مصابيحها، إلى البيوت التي فقدت أبناءها، إلى الفقراء الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى كرامتهم؟

المثقف في زمن الاستقرار يستطيع أن يكون أشياء كثيرة. يستطيع أن يكون أستاذاً، وباحثاً، وناقداً، وكاتباً، وأن يختلف في التفاصيل والنظريات. لكن حين تبدأ المدينة بالسقوط، تصبح المسألة أكثر بساطة وقسوة: مع من تقف؟

ليست المشكلة أن يكون المثقف قريباً من السلطة. فالقرب من السلطة ليس جريمة في ذاته، كما أن الابتعاد عنها ليس بطولة تلقائية. المشكلة تبدأ عندما يتحول القرب إلى صمت، والصمت إلى تبرير، والتبرير إلى مشاركة في صناعة الوهم.

فالسلطان، أيّاً كان اسمه وشكله، يحب المثقف الذي يمنحه لغة جميلة لما لا يمكن تبريره. يحب من يقول إن الجوع مرحلة، وإن الخوف ضرورة، وإن القمع مؤقت، وإن الناس لا يفهمون تعقيدات السياسة. ويحب أكثر أولئك الذين يستطيعون تحويل المأساة إلى خطاب أنيق، وتحويل الضحية إلى رقم، وتحويل المسؤولية إلى قدر.

لكن وظيفة المثقف ليست أن يجعل القسوة مقبولة.

وظيفته، في لحظات الانهيار تحديداً، أن يسأل السؤال الذي لا يريد أحد سماعه.

من المسؤول؟

من دفع الناس إلى هذا البؤس؟

لماذا فقد المواطن ثقته بمؤسساته؟

لماذا أصبح الفقير هو الذي يدفع دائماً ثمن أخطاء الأقوياء؟

ولماذا يتحول الحديث عن الحرية إلى تهمة، بينما يتحول الصمت إلى فضيلة؟

المثقف الذي يعيش بين البؤساء لا يصبح بالضرورة أكثر حكمة، لكنه يصبح أقرب إلى الحقيقة. يسمع ما لا يسمعه أصحاب المكاتب. يعرف أن الأرقام التي تظهر في التقارير ليست هي الحياة نفسها. يعرف أن ارتفاع الأسعار ليس رقماً فقط، وأن فقدان البيت ليس خبراً عابراً، وأن موت إنسان لا تختصره عبارة “خسائر بشرية”.

هناك، في الهامش، تتغير معاني الكلمات.

الوطن ليس خريطة فقط.

والكرامة ليست خطاباً سياسياً.

والحرية ليست مؤتمراً صحفياً.

والفقر ليس نقصاً في المال وحسب، بل شعور يومي بأن العالم كله قد قرر أنك أقل قيمة من غيرك.

لهذا فإن المثقف الذي يختار البقاء مع الناس في لحظة الانهيار، لا يفعل ذلك حباً بالفقر ولا بحثاً عن بطولة رومانسية. هو ببساطة يرفض أن يصبح شاهداً من بعيد.

في المدن التي تسقط، يحتاج الناس إلى من يسمعهم قبل أن يحتاجوا إلى من يشرح لهم أسباب سقوطهم.

يحتاجون إلى صحفي لا يخاف من السؤال.

وإلى شاعر لا يخجل من البكاء.

وإلى أستاذ لا يحوّل الجامعة إلى غرفة صدى.

وإلى كاتب لا يقيس كلماته بمقدار الرضا الذي ستتركه لدى صاحب النفوذ.

فالسلطة تتغير، والحكومات تذهب، والوزراء يغادرون مكاتبهم، والقصور التي تبدو أبدية تصبح في يوم من الأيام مجرد صور في كتب التاريخ. أما الكلمات التي كُتبت في زمن الخوف، فتظل شاهدة على أصحابها.

التاريخ لا يسأل المثقف فقط: ماذا كتبت؟

بل يسأله أيضاً: أين كنت حين كان الناس يتألمون؟

هل كنت في الصفوف الأمامية مع الذين لا يملكون شيئاً؟

أم كنت تبحث عن مقعد آمن بالقرب من الذين يملكون كل شيء؟

وهنا ربما تكمن أصعب امتحانات الثقافة.

أن تعرف متى يصبح الصمت موقفاً.

ومتى تتحول المسايرة إلى تواطؤ.

ومتى يصبح الدفاع عن الاستقرار مجرد دفاع عن امتيازات الذين لا يدفعون ثمن الفوضى.

لكن الابتعاد عن السلطان لا يعني أن يتحول المثقف إلى خصم دائم لكل سلطة، أو أن يستبدل الحقيقة بالشعار، أو أن يصفق لكل احتجاج لمجرد أنه احتجاج. المثقف الحقيقي لا يعيش على التصفيق، لا من السلطة ولا من الشارع. مهمته أصعب: أن يحتفظ بعقله وهو يغضب، وأن يحتفظ بضميره وهو يختلف، وأن يقول الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة لأقرب الناس إليه.

إنه لا يقف مع الفقراء لأنهم دائماً على حق، بل لأنه يعرف أن المجتمع الذي لا يسمع فقره، ولا يرى مظلوميته، ولا يمنح الضعفاء صوتاً، مجتمع يمشي نحو هاوية حتى لو كانت شوارعه مضاءة.

وحين تسقط المدن، تظهر فجأة قيمة أولئك الذين ظلوا بين الناس.

أولئك الذين لم يغادروا حين غادر الجميع.

الذين عرفوا أسماء الضحايا، لا أعدادهم فقط.

الذين جلسوا إلى جانب أم فقدت ابنها، وإلى جانب عامل فقد عمله، وإلى جانب طفل لم يعد يعرف لماذا أُغلقت مدرسته، وإلى جانب رجل أصبح بيته خيمة.

هؤلاء لا يملكون قصوراً ولا منصات رسمية، لكنهم يملكون شيئاً أكثر ندرة: الذاكرة.

والذاكرة في زمن الانهيار أخطر من السلطة.

لأن السلطة تستطيع أن تغيّر الرواية، لكنها لا تستطيع دائماً أن تمحو ذاكرة الناس.

لهذا، حين تهوي المجتمعات وتسقط المدن، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا سيفعل السياسيون؟

السياسيون سيبحثون عن مخارجهم.

ولا: ماذا ستفعل النخب؟

النخب ستبحث عن مواقعها.

بل السؤال الأهم هو: ماذا سيفعل المثقف؟

هل سيختار أن يكون صوتاً في القصر، أم ضميراً في الشارع؟

هل سيكتب ما يريده الأقوياء، أم ما يحتاج الضعفاء إلى سماعه؟

هل سيقف عند أبواب السلطة منتظراً اعترافاً، أم سيمشي في الأزقة التي لا تصلها الكاميرات؟

في النهاية، قد ينسى الناس كثيراً من أسماء الحكام.

لكنهم لا ينسون من وقف معهم حين كانوا وحدهم.

ولهذا، فإن المثقف حين تضيق المدن لا يحتاج إلى قصر أكبر، بل إلى مسافة أكبر من السلطان، ومسافة أصغر من الإنسان.

ففي أوقات الرخاء، يستطيع الجميع أن يتحدثوا عن الناس.

أما في أوقات السقوط، فالقليل فقط يختار أن يعيش بينهم.