نشر بتاريخ: 2026/05/22 ( آخر تحديث: 2026/05/22 الساعة: 14:18 )
أكرم عطا الله

إسرائيل في معركة الـ «هسباراة»..!

نشر بتاريخ: 2026/05/22 (آخر تحديث: 2026/05/22 الساعة: 14:18)

سأندهش لو أن بن غفير لم يكن همجياً لهذا الحد، كما كنت سأندهش لو أن إسرائيل تتصرف بمعايير إنسانية ووفق القانون الدولي.

فالمسألة ليست مسألة مؤسسات دولية ونظم بل إن السلوك سواء كان فردياً أو جمعياً هو عبارة عن منتج ثقافي حضاري طويل تبلورت خلاله الشخصية القومية من خلال تجمع عوامل عدة منها الديني بلا شك.

وبن غفير غارق في تجسيد شخصية حقيقية هي جزء من وعي جمعي أدى إلى هذا الحريق في المنطقة ولن يتوقف.

يوصف العقل الإسرائيلي من البعض بأنه مختل، وليس المقصود في هذا شتيمة أو موقفاً معادياً بقدر ما أن الأمر نابع عن قراءة للشخصية التي تحمل هذا القدر من التشوه المرتبط بقدم النصوص والانغلاق على الذات.

وهنا بن غفير واحد من منتجات التاريخ والهوية الملتبسة.

قبل ثلاثة عقود تماماً، في أيار 1996 اقتحم شخص شبه مغمور عالم السياسة في إسرائيل وهو يزاحم آباء حزب الليكود موشيه أرنس ودافيد ليفي وغيرهما، كان هذا بنيامين بن تسيون نتنياهو ليفوز على شمعون بيريس برئاسة حكومة إسرائيل في انتخابات ما بعد مقتل رابين بعكس كل التوقعات، وكأصغر رئيس وزراء في تاريخها.

لا أحد توقع ذلك، لا السياسيون ولا المحللون ولا مراكز الاستطلاعات.

كان الأمر مفاجئاً، وفي صباح ذلك اليوم الذي أفقنا فيه على انقلاب الصورة رأيت نفسي أهرع للمكتبة باحثاً عن كتابه «مكان بين الأمم» في محاولة لفهم أفكاره التي لم تكن خافية تماماً كوريث لليمين.

في مقدمة الكتاب كان لافتاً أن يطلق على فلسطين «أرض الآباء والأجداد»، وما أن أنهيت الكتاب في نفس اليوم سارعت لأبحث بعده عن سر تلك المقولة، وكان لا بد من قراءة التوراة بمضامينها ورواياتها؛ لأبحث عن تفسير لماذا تصر إسرائيل على استمرار الاحتلال، ولماذا لا تعترف بحقو الغير ومصدر النظرة الفوقية للآخر.

بعدها نشرت دراسة في مجلة «رؤية» للأبحاث، وهي مجلة مهمة صدرت على شكل كتاب.

كانت فكرة الأستاذ رياض الحسن ويدير تحريرها الشاعر الأستاذ خالد جمعة وكانت تتجاوز البعد الفلسطيني نحو كتاب عرب من عديد العواصم.

كان عنوان الدراسة «أصل الشرور في العودة إلى الجذور» فالدين يفسر الكثير من سلوك البشر وحجم العنف لدى أتباعه، وليس من المصادفة أن المتدينين هم الأكثر عنفاً في المجتمعات، ومأساة إسرائيل أن الدين والقومية هما شيء واحد وباعتبار السياسة هي هوية ومصالح قومية لا بد أن يكون بن غفير تجسيداً لحالة بشكل أو بآخر.

مشاهد اعتداء بن غفير التي أثارت أوروبا كانت القشة التي قصمت ظهر بعير الموقف الأوروبي الغاضب أصلاً.

فقد اعتدت إسرائيل سابقاً على سفينة مافي مرمرة وقتلت منهم وسط صمت أوروبي، لكن بين تلك وهذه جرت مياه كثيرة في نهر السياسة الإسرائيلية العكرة.

صحيح أن من تعرض للإيذاء بعضهم أوروبيون ولكن إسرائيل أهانت ونكلت ومنعت أوروبيين سابقاً وسط صمت الحكومات.

فأوروبا التي باتت تشهد تحولات وانزياحات ضارة بسبب إسرائيل التي دفعت رئيساً أميركياً مثل ترامب لحرب إيران، تسببت بضربة شديدة للاقتصاد الأوروبي، الذي لم يكن في أحسن حالاته نتيجة حرب أوكرانيا وجمارك ترامب، وإغلاق مضيق هرمز أدى لارتفاع الأسعار ليتسبب بنقمة على الأحزاب الحاكمة لتدفع ثمن ذلك في الانتخابات.

لكن الخطر أن الانزياح الغاضب يحدث لصالح قوى يمينية بعضها فاشي يهدد بنية المجتمعات واستقرارها، كما حدث بفوز حزب الإصلاح اليميني الذي يقوده نايجل فراج الذي اكتسح بلديات بريطانيا بعد أن كان على هامش الحياة.

هكذا تدفع إسرائيل إلى تخريب العالم الذي بدأ يتخذ مواقف أكثر حدة ووضوحاً من تسجيل سابقة العقوبات للبيان الأوروبي في قضية أسطول الصمود.

سموتريتش يتطاول على المستشار الألماني، ونتنياهو غاضب على ماكرون، وسانشيز في إسبانيا يصر على معاقبة إسرائيل بقسوة، واليمينية جورجيا ميلوني توقف اتفاق تعاون أمني مع إسرائيل.

أما رئيسة أيرلندا فهي تصرخ بقوة، وفي بريطانيا يدرك العماليون أن إسرائيل سبب خسارتهم.

هذه هي الجبهة الثامنة التي أصيبت فيها إسرائيل بالهزيمة، فمنذ عامين ونصف يتحدث نتنياهو عن سبع جبهات في غزة والضفة ولبنان وسورية والعراق وإيران واليمن، ثم أضاف جبهة ثامنة هي جبهة الإعلام «هسباراة» والتي خصصت لها 2.3 مليار شيكل لحملات الدبلوماسية العامة والدعاية للتصدي للانتقادات الغربية وتلك هي النتيجة.

في معركة «الهسباراة» لا تدرك إسرائيل أنها تملك كل مقومات هزيمتها، فكيف يمكن لدولة احتلال أسود أن تبيّض صفحتها ؟

تلك مهمة لا يقدر عليها العقل البشري وخصوصاً أن إسرائيل تميزت عن أي احتلال سابق بفوقية فجة، حاول يسار إسرائيل إخفاءها وهو يقيم علمانية أوروبية، لكن كما ينقل ول ديورانت في كتابه «قصة الحضارة» نقلاً عن فولتير مقولة: «أنت تستطيع خداع بعض الناس كل الوقت وكل الناس بعض الوقت لكن أن تخدع كل الناس كل الوقت فتلك مهمة مستحيلة».