يا خسارة… ليست على عمرٍ مضى فقط، بل على معنى كان يجب أن يبقى...
حمودة أبو موسى
يا خسارة… ليست على عمرٍ مضى فقط، بل على معنى كان يجب أن يبقى...
الكوفية يا خسارة على سنواتٍ ذابت خلف القضبان، وعلى وجوهٍ شاخت وهي تنتظر فجراً ظنّت أنه سيأتي محمولاً على أكتاف من ضحّوا، لا على قوائم تُفصّل في الغرف المغلقة، يا خسارة على رجالٍ حملوا “فتح” في قلوبهم بندقيةً وفكرة، فصاروا اليوم خارج المشهد، كأنهم لم يكونوا يوماً عمودها الفقري...
أيُّ مفارقةٍ هذه؟؟؟
من صنعوا التاريخ يُقصَون، ومن لا تاريخ لهم يُستدعون...
حيث من كتبوا اسم “فتح” بالدم يُستبدلون بأسماء لا تعرف من الجغرافيا سوى عناوين الفنادق، ولا من النضال سوى الصور التذكارية،
لم تكن “فتح” يوماً بطاقة عضوية، ولا مقعداً في مؤتمر، ولا اسماً في قائمة، كانت حكاية شعب، وصوت مظلوم، وذاكرة شهداء، ووجع أسرى، كانت مشروع تحرر، لا شركة عائلية، ولا إرثاً يُوزّع، ولا تركةً تُقسم...
لذلك ما يجري اليوم ليس مجرد مؤتمر…
إنه اختبار قاسٍ للمعنى:
هل ما زالت “فتح” حركة الذين ضحّوا؟؟؟
أم أصبحت مظلة الذين يرثون؟؟؟
حين يُستثنى من أفنوا أعمارهم في السجون، وحين يُهمَّش من بنوا المؤسسات حجراً حجراً، وحين يُدفع إلى الواجهة من لم يُعرف له موقف في ساعة الشدة، فنحن لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن انقلاب في القيم...
الأخطر من ذلك، أن هذا المسار لا يجرح الأفراد فقط، بل يضرب الثقة في الصميم، لأن الجيل الذي يرى اليوم كيف يُكافأ التاريخ بالتهميش، لن يؤمن غداً أن التضحية طريقٌ لشيء، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية،
“فتح” التي عرفها الناس لم تكن يوماً ضد أبنائها، ولم تكن تخشى أصواتهم، ولم تكن تغلق أبوابها في وجه من حملوها، كانت تتسع للجميع لأنها وُلدت من الجميع، أما حين تضيق، فهذه ليست أزمة تنظيم… بل أزمة هوية...
ومع ذلك، الحقيقة التي لا يمكن دفنها:
التاريخ لا يُشطب بقرار، ولا يُلغى بمؤتمر...
والأسماء التي غُيّبت عن القوائم، حاضرة في ذاكرة الناس، في الحكايات، في البيوت، في وجدان هذا الشعب...
قد يُقصى المناضلون من قاعة، لكنهم لا يُقصَون من القضية، وقد تُرفع أسماء بلا رصيد، لكن الرصيد الحقيقي يبقى حيث وُضع أول مرة في السجون، في الميدان، في دم الشهداء...
إن كان هذا المؤتمر يريد أن يكون بداية، فعليه أن يبدأ من الحقيقة، لا من التزييف...
وإن كان إغلاقاً، فليعلم من أغلق الأبواب أن “فتح” لم تكن يوماً باباً واحداً...
هي فكرة…
والفكرة لا تُقصى...