دحلان يصف "ثوب الفرح 2": بالمعجزة الإنسانية والتنظيمية
شريف الهركلي
دحلان يصف "ثوب الفرح 2": بالمعجزة الإنسانية والتنظيمية
الكوفية في زمنٍ يضيق فيه الأفق وتثقل فيه الحياة على كاهل الإنسان، يظل العمل الإنساني نافذةً مفتوحة على الأمل، ودليلًا حيًا على أن الخير لا يزال ممكنًا. ومن قلب قطاع غزة، حيث تتقاطع المعاناة مع الصمود، بزغت مبادرة إنسانية جديدة تُعيد الاعتبار لفرحٍ طال انتظاره، وتُرمّم ما أثقلته الأيام من تعبٍ وحرمان في ظل حربٍ قاسية.
بدعمٍ كريم من مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، جاء العرس الجماعي "ثوب الفرح 2"، كما وصفه القائد محمد دحلان "أبو فادي"، بالمعجزة الإنسانية والتنظيمية، ليُتوّج روح العطاء ويُجسّد معنى التكافل في أبهى صوره. هنا، لم يكن الحدث مجرد احتفالٍ عابر، بل لقاءً نابضًا بقلوبٍ شابة تحلم بالحياة، وتتمسك بحقها الطبيعي في الفرح، رافعةً شعار الشاعر محمود درويش: "نحن شعبٌ يستحق الحياة".
وقبل انطلاق مراسم الزفاف، كان المسرح يعج بالحياة؛ عروض الدبكة الشعبية تملأ المكان إيقاعًا وانتماءً، والأغاني التراثية تعانق الذاكرة الجماعية. كما أضفى الفنان ضياء أبو زيد حضورًا لافتًا، أشعل به فتيل الفرح وألهب حماس الجماهير.
في يوم الجمعة، تلاقت القلوب على بساطٍ من المحبة في أرض دير البلح، التي غدت ملاذًا لما تبقى من مساحة للحياة بعد الدمار الذي طال معظم محافظات الوطن. واحتشدت جماهير غفيرة من مختلف مناطق قطاع غزة، إلى جانب قيادات من تيار الإصلاح الديمقراطي، والمخاتير، ورجال الإصلاح، والوجهاء، وممثلين عن الفصائل الوطنية، في مشهدٍ عكس وحدة المجتمع حول الفرح رغم الألم.
بدأ الحفل بتلاوة آياتٍ من الذكر الحكيم، ثم إعلان عقد القران على يد أحد المشايخ، في لحظةٍ امتزج فيها الطابع الديني بالفرح الشعبي. ومع عزف السلامين الوطنيين الفلسطيني والإماراتي، بدا وكأن اللحن والكلمات ينسجان معًا حكاية علاقةٍ تاريخية متجذرة بين الشعبين، تلا ذلك قراءة الفاتحة على أرواح شهداء الوطن.
وتألّق الدكتور عماد محسن في إدارة وتنظيم الفقرات إعلاميًا، مقدمًا صورةً احترافية تليق بحجم الحدث ورسائله. ومع دخول العرسان إلى المسرح على وقع أغاني الفرح، كانت الورود تتناثر من حولهم، وكأن السماء نفسها تشاركهم لحظة الميلاد الجديد.
وحلّقت الفراشة الصغيرة جنان أبو هلال في تقديم الفقرات الفنية والوطنية المتعددة، من بينها عروض دبكة ولوحات استعراضية لفرقة "شمس الكرامة" للثقافة والفنون، وأغانٍ وطنية بقيادة الفنان مصطفى زايد. كما تم عرض تسجيلات متلفزة للأستاذ علي الشحي، رئيس البعثة الإماراتية في غزة ضمن عملية "الفارس الشهم 3"، وكذلك كلمة للسيد محمد حاجي الخوري، المدير العام لمؤسسة خليفة الإنسانية التي ترعى العرس الجماعي.
وجاءت كلمات الشكر والتقدير للشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، والشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، على جهودهم في إغاثة قطاع غزة، ودعمهم المتواصل الذي نسج "ثوب الفرح" بأجزائه المتتالية، من أجل الإنسان الفلسطيني.
كما برزت فقرة فنية مؤثرة، قدمت فيها الفنانة أسيل نسمان لوحةً للشيخ محمد بن زايد آل نهيان بألوانٍ فلسطينية، عكست عمق المحبة والتقدير لدولة الإمارات وشعبها.
ومن أكثر اللحظات تأثيرًا، كانت فقرة العروسين الكفيفين، حمزة محمود وأسماء أبو هلال، حيث تحولت الكلمات إلى ضوءٍ داخلي أضاء القلوب. حلّقت العروس بكلماتها، وخطفت مشاعر الحاضرين، مؤكدة أن البصيرة أعمق من البصر، وأن القلب يرى ما لا تراه العيون.
كما أضفت فقرة تبادل الهدايا بين العرسان وعروساتهم—خاصة لأولئك الذين تزامن زفافهم مع أعياد ميلادهم—لمسة إنسانية دافئة، جسدت معنى المشاركة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرح الكبير.
وفي ختام الحفل، نقل الدكتور محمد اربيع أبو خليل، نائب لجنة إسناد "الفارس الشهم 3"، تحيات رئيس اللجنة الدكتور خضر المجدلاوي، وقدم لوحة شكر لدولة الإمارات قيادةً وشعبًا، مثمنًا دعمها المتواصل برًا وبحرًا وجوًا لقطاع غزة. كما وجّه التحية للأخ محمد دحلان "أبو فادي"، والأخ سمير المشهراوي "أبو باسل"، وللجنة المنظمة برئاسة الدكتور إيهاب أبو زيد "أبو ياسر"، مشيدًا بجهودهم في إنجاح هذا الحدث الإنساني الكبير.
وفي قراءةٍ أعمق، لا يمكن فصل "ثوب الفرح 2" عن سياقه السياسي والاجتماعي العام؛ فمثل هذه المبادرات لا تمثل فقط فعلًا إنسانيًا، بل تعكس أيضًا محاولة لخلق توازن داخل مجتمعٍ يرزح تحت ضغط الأزمات المركبة، من حصارٍ وانقسامٍ سياسيٍ مزمن. إن العرس الجماعي هنا يتجاوز كونه مناسبة فرح، ليغدو رسالة صمودٍ مدني، تؤكد أن المجتمع الفلسطيني قادر على إعادة إنتاج الحياة رغم غياب الأفق السياسي الواضح. كما تطرح هذه المبادرات تساؤلاتٍ مشروعة حول دور الفاعلين الإقليميين في ملء الفراغ الإنساني والخدمي، وحدود هذا الدور في ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني. وبينما تُسهم هذه الجهود في تخفيف المعاناة، فإنها في الوقت ذاته تُسلّط الضوء على الحاجة الملحّة إلى حلولٍ جذرية تُنهي حالة الاستنزاف المستمرة، وتعيد للقضية الفلسطينية مركزيتها السياسية، لا الإنسانية فقط.
"ثوب الفرح 2" لم يكن مجرد عنوان، بل رسالةٌ تتجدد، وفصلٌ ثانٍ في حكاية إنسانية مستمرة عنوانها الوقوف إلى جانب الإنسان في أصعب الظروف. ومع إسدال الستار على هذا الفصل، تبقى العيون متطلعة إلى فصلٍ ثالث يحمل المزيد من الفرح، حين يطل "ثوب الفرح 3" بلوحةٍ جديدة من السعادة، بعطاءٍ لا ينضب، وإرادةٍ لا تنكسر.
في غزة، حيث يولد الأمل من رحم المعاناة، يثبت الإنسان مرةً أخرى أنه أقوى من كل ما يواجهه، وأن الفرح—وإن تأخر—لا بد أن يأتي.
وتبقى الإمارات، في وجدان الفلسطينيين، كالعناية المكثفة التي تمد هذا الشعب بالأكسجين، فتنعش الحياة فيه، وتحوّل الألم إلى أمل.