نشر بتاريخ: 2026/04/19 ( آخر تحديث: 2026/04/19 الساعة: 12:15 )
إياد الدريملي

الدولة تحكم والعشيرة تساند

نشر بتاريخ: 2026/04/19 (آخر تحديث: 2026/04/19 الساعة: 12:15)

الكوفية تشكل الزعامات القبلية والعشائرية في قطاع غزة ارتكازة مهمة في عملية البناء المجتمعي وحماية السلم الأهلي وتشكيل الجبهة الداخلية التي تدعم الاستقرار، وتشكل قوة حماية وإسناد للبرامج والخطط الوطنية العليا القائمة على النهج التنموي.

وحتى تبقى هذه القوة المجتمعية الحية نابضة وفاعلة وناظمة ومنخرطة في السياق الوطني العام، يتطلب ذلك ضمان تحقيق التشاركية الشعبية والمجتمعية في عملية التحول، وأن تبقى دائمًا جزءًا من الحل، وضمان ألّا تصبح جزءًا من المشكلة. وإذا ظلت بديلاً عن المؤسسات الرسمية والقانونية والمجتمعية وبعيدة عن دعم برامجها وخطط البناء والاستنهاض التنموي، ستتكرس الفوضى بشكل “منظم”، وتعود العجلة إلى الوراء، مما يهدد عمليات التنمية المجتمعية وتحقيق متطلبات البناء المؤسسي الشامل.

هناك مجموعة من المؤشرات التي تدل على أهمية القوة العشائرية والزعامات القبلية والعائلية كمحرك فاعل في مساعدة جهود التأسيس لعملية البناء الوطني الشامل، ولكن إذا ما توفرت مجموعة من المتطلبات، كونها تتمتع بنفوذ اجتماعي حقيقي وقدرة على ضبط السلم الأهلي، وتمتلك قنوات تواصل مباشرة مع الناس أسرع من أي مؤسسة، كونها تلعب دورًا مهمًا في الوساطة وحل النزاعات، خصوصًا في البيئات الهشة كقطاع غزة.

فالمشكلة ليست في وجود الزعامات العشائرية والقبلية بحد ذاتها، فهي جزء أصيل من النسيج المجتمعي، لكن المشكلة في طبيعة العلاقة بينها وبين الدولة ومؤسساتها، وحاجتنا إلى عملية الاستنهاض والبناء الشامل، وهل هذه التجمعات داعمة لجهود فرض الاستقرار والسلم المجتمعي؟ أم بديل عن سيادة القانون واحترامه؟

إن اليوم التالي للحرب على غزة، وحتى يبقى ضمن المنظور الوطني، يجب أن نضمن أن يصبح التحول ضمن سياق رؤية فلسطينية جامعة، وبعقول وأيدي فلسطينية مؤمنة بأن الوقت قد حان للتحلي بالشجاعة للتأسيس لولادة عصر جديد، لإطلاق عملية البناء التنموي الشامل، والذي يحتاج إلى “هندسة اجتماعية ذكية” لا تعتمد على الإقصاء، ولا على التسليم الكامل للتراكمات والانحرافات البنيوية التي تحتاج إلى العلاج الواقعي الشجاع.

وهذا يتطلب العمل على إعادة تعريف الأدوار والمسؤوليات وحدود العلاقات، وكيفية تحويل الزعامة العشائرية من سلطة موازية إلى مرجعية اجتماعية داعمة ومشاركة، وتحديد دورها في السلم الأهلي والوساطة المجتمعية، ودعم جهود الاستقرار، والاتجاه نحو التنمية الاجتماعية الخلاقة، وضمان الاندماج في عمليات التخطيط والبناء، وضمان إبعادها عن مستويات اتخاذ وإدارة القرار السياسي أو توزيع الموارد الاستراتيجية.

نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، اتفاق غير مكتوب بين النخب السياسية والمجتمعية والعشائر والقوى الجماهيرية، مضمونه: “الدولة تحكم والعشيرة تساند”.

إن تشكيل جبهة جماهيرية واعية، تمتلك نهجًا يعزز حضور الكفاءات وتقديمها، للمساهمة في لعب دور مهني يسهم في حل الإشكاليات والظواهر باعتبارهم رافعة في عمليات البناء، يتراجع معها الدور القبلي والعشائري، وينحصر دورها كحاضنة شعبية تحميها. هذا هو التحول المدني الحقيقي الذي يتطلب كسر ثقافة “القبيلة–العشيرة–العائلة” كأولوية، وتحويل احترام المجتمع من “النفوذ” إلى الكفاءة والبناء والتنمية المجتمعية، والعمل على مسار دمج تدريجي بعيدًا عن أي صدام.

إن تحول دور الزعماء القبليين والعشائريين إلى مركز تشجيع وتمكين المؤسسات بالكفاءة، وضمان بناء مؤسسات قائمة على التخصصات المهنية والمساءلة، ومنع أي تدخل عشائري في التوظيف والقضاء والخدمات الأساسية وغيرها من التداخلات الإدارية، هو أحد ملامح التحول المطلوب.

ولا يتم ذلك إلا عبر برامج وحملات تعبئة وعي عامة، تُرفع خلالها مناسيب الانتماء لدى الجمهور بأهمية دور الكفاءات والتخصصات، واستحضار المخططين للمساهمة في عمليات الاستعداد والتحضير للانطلاق والاقلاع نحو تحقيق التنمية المستدامة الشاملة.

هذه دعوة لإحداث التوازن، وليست محاولة لإقصاء العشائر مباشرة، لكنها أيضًا ليست رسالة تسليم كامل لها بما يتسبب بتدمير البناء المؤسسي والمهني.

بواقعية مجردة، هي دعوة للدمج الذكي مع تحديد الأدوار، وتعزيز الرقابة المجتمعية والأهلية، وترسيخ التشاركية الديمقراطية وسيادة القانون. فالزعامات القبلية يمكن أن تكون جسر عبور نحو الاستقرار أو قد تشكل عقبة حقيقية أمام عملية بناء الدولة، وتبقى التحديات حول الكيفية التي يتم فيها ذلك التحول ضمن مسارات التنمية المستدامة الشاملة.