شحّ المياه ونقاؤها المفقود… أزمة تهدد حياة آلاف النازحين
شحّ المياه ونقاؤها المفقود… أزمة تهدد حياة آلاف النازحين
الكوفية في خيام النزوح، حيث تتآكل تفاصيل الحياة اليومية تحت ضغط الحاجة، تبرز المياه العذبة كقضية تتجاوز حدود الخدمة إلى عمق الحق الإنساني، فالماء هنا ليس مجرد وسيلة للارتواء، بل خط الدفاع الأول عن الصحة، ومرآة حقيقية لمدى احترام كرامة الإنسان.
وفي قطاع غزة، حيث تتداخل الأزمة الإنسانية مع انهيار البنية التحتية، تتفاقم خطورة هذا السؤال يومًا بعد يوم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما يصل إلى أفواه النازحين—وخاصة الأطفال—هو ماء صالح للشرب، أم خطر صامت يتسلل إلى أجسادهم؟
خبراء المياه الذين تحدثت معهم يقولون: إنّ صلاحية المياه لا تُقاس بلونها أو برودتها، بل بمعايير علمية دقيقة. فالمياه الصحية يجب أن تكون خالية تمامًا من البكتيريا الضارة، وعلى رأسها القولونيات (0 وحدة لكل 100 مل)، وأن تتوازن فيها نسبة الأملاح الذائبة الكلية (TDS) ضمن حدود آمنة، ويفضّل أن تتراوح بين 50 إلى 150 ملغم/لتر لتناسب الأطفال في مراحل النمو. كما ينبغي أن تتراوح درجة الحموضة (pH) بين 6.5 و8.5، وهي النسبة التي تضمن سلامة الجهاز الهضمي وعدم تهيّجه.
وفي سياق الطب الوقائي، تتضاعف أهمية الفحوصات المخبرية الدورية للمياه الجوفية، خصوصًا في البيئات المكتظة التي تنتشر فيها آبار الصرف الصحي بشكل عشوائي كما هو الحال في مخيمات النزوح بعموم قطاع غزة وخاصة منطقة المواصي.
فاختلاط المياه الجوفية بمياه الصرف نتيجة تسرّبها عبر التربة يشكّل خطرًا حقيقيًا على جودة المياه، ويزيد من احتمالية تلوّثها بالبكتيريا والفيروسات والطفيليات. ومع ضيق المساحة والاكتظاظ السكاني في مناطق النزوح، تتسارع وتيرة انتقال العدوى، ما يجعل أي خلل في سلامة المياه تهديدًا جماعيًا، لا فرديًا.
ولأن الأطفال هم الأكثر هشاشة، فإنّ أي خلل—even بسيط—في جودة المياه قد ينعكس مباشرة على صحتهم. فارتفاع نسبة النترات إلى أكثر من 10 ملغم/لتر قد يسبب مضاعفات خطيرة، فيما تسهم نسب معتدلة من الكالسيوم (20–60 ملغم/لتر) والمغنيسيوم (10–30 ملغم/لتر) في دعم بناء العظام والأسنان. إنها تفاصيل تبدو تقنية، لكنها في الواقع مسألة حياة لطفل ينمو في ظروف قاسية.
وفي بيئة النزوح، لا تقف المشكلة عند مصدر المياه فقط، بل تمتد إلى طرق نقلها وتخزينها. فالمياه التي تخرج نظيفة من محطات التحلية قد تتلوث في الطريق عبر صهاريج غير معقمة أو خزانات مهملة. وهنا تتكشّف واحدة من أخطر الثغرات: غياب الرقابة والمتابعة الدورية على الشركات ومحطات التحلية، التي تتحمل مسؤولية أخلاقية وصحية لا تقبل التهاون.
إنّ أنظمة الفلترة، مهما بلغت دقتها، تفقد قيمتها إن لم تُصن بشكل منتظم. فالفلاتر المستهلكة قد تتحول من أداة تنقية إلى مصدر تلوث، ما يستدعي صيانة دورية دقيقة، وفحوصات مخبرية مستمرة تسبق عملية توزيع المياه على المواطنين، لا تليها.
ولا يغيب عن المشهد استخدام الوسائل التقليدية، مثل الفخّار—القُلَل والأباريق—التي تساعد في تبريد المياه وتحسين مذاقها. ورغم قيمتها التراثية والعملية، إلا أنها لا تعقّم المياه، بل تتطلب نظافة دائمة حتى لا تتحول إلى بيئة حاضنة للجراثيم.
إنّ الكارثة لا تكمن فقط في شحّ المياه، بل في غياب الضمان الحقيقي لنقائها. فالماء الملوّث في خيمة نازح قد يكون شرارة لانتشار الأمراض، من التهابات الجهاز الهضمي إلى أوبئة يصعب احتواؤها في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية.
ختامًا، تبقى الدعوة صريحة: إلى الجهات المختصة، إلى شركات ومحطات التحلية، إلى كل من يحمل مسؤولية في هذا الملف—شدّدوا الرقابة، التزموا بالفحوصات الوقائية الدورية، وراقبوا تلوّث المياه الجوفية الناتج عن الصرف الصحي، وصونوا الفلاتر كما تصونون الأرواح. فسلامة المياه من سلامة الإنسان، ونقاؤها ليس رفاهية، بل حقّ أصيل لا يحتمل التأجيل.