المواطن الفلسطيني: لمن يدفع الولاء؟
العقد الاجتماعي الفلسطيني بين تعدد المرجعيات وأزمة الشرعية الوطنية
المواطن الفلسطيني: لمن يدفع الولاء؟
الكوفية تعيش القضية الفلسطينية مرحلة شديدة التعقيد، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، وتفاقم آثار الانقسام السياسي، وتراجع فاعلية المؤسسات الوطنية، بما أضعف قدرة النظام السياسي الفلسطيني على القيام بوظائفه التمثيلية والتنظيمية في مواجهة التحديات المصيرية.
وفي هذا السياق، لم يعد السؤال حول الشرعية السياسية سؤالاً نظرياً، بل تحول إلى سؤال يومي يعيشه المواطن الفلسطيني: من يقرر؟ من يحكم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهي أسئلة تعكس عمق الأزمة في العلاقة بين المواطن ومراكز القرار المختلفة.
فالمشهد الفلسطيني يتسم بتعدد المرجعيات السياسية والإدارية بين الضفة الغربية وقطاع غزة ومراكز القرار في رام الله، إلى جانب التأثيرات الإقليمية والدولية، ما جعل بنية النظام السياسي أقرب إلى شبكة متداخلة من السلطات بدل أن تكون إطاراً موحداً للقرار الوطني.
ورغم أن منظمة التحرير الفلسطينية تُعد الإطار السياسي والمرجعية الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وأن برنامجها الوطني يشكل الأساس التاريخي للمشروع الوطني، إلا أن الإشكال يتمثل في تراجع فاعليتها التوحيدية وتعدد مستويات القرار داخل النظام السياسي، بما أضعف وحدة التمثيل والقدرة على تطبيق البرنامج الوطني بصورة متماسكة.
ولا يقتصر الخلل على البنية المؤسسية، بل يمتد إلى غياب التوافق الوطني حول تعريف المشروع الوطني وأولوياته، وهو ما أدى إلى تباين في الرؤى السياسية بين القوى الفلسطينية، وانعكس ذلك على ضعف إنتاج مرجعية سياسية جامعة قادرة على ضبط العلاقة بين المواطن والسلطة.
وفي ظل هذا الواقع، تآكل مفهوم العقد الاجتماعي الفلسطيني، حيث بات المواطن يتحمل أعباء سياسية واقتصادية متزايدة، دون وضوح في حدود المسؤولية أو آليات المساءلة، بينما تتوزع السلطة والقرار بين أطراف متعددة دون إطار موحد يحكم العلاقة بينها.
إن أخطر ما يواجه الحالة الفلسطينية اليوم ليس مجرد استمرار الانقسام، بل تحول هذا الانقسام إلى بنية سياسية دائمة تعيق إعادة إنتاج وحدة القرار الوطني، وتضعف قدرة النظام السياسي على صياغة سياسات جامعة ومساءلة واضحة.
ومن هنا، فإن إعادة بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني تتطلب مساراً وطنياً شاملاً يقوم على إعادة الاعتبار للمرجعية الوطنية الجامعة، وتطوير مؤسسات التمثيل الفلسطيني، وتحديد برنامج وطني موحد يعيد تنظيم العلاقة بين المواطن والنظام السياسي على أساس من الوضوح والشرعية والمساءلة.
فالوحدة الوطنية ليست مجرد إنهاء للانقسام أو ترتيبات إدارية، بل هي إعادة تأسيس للعلاقة بين المجتمع والسلطة على قاعدة سياسية جامعة تعيد الثقة للمواطن بأن صوته ممثل، وأن القرار الوطني موحد، وأن مؤسساته تعمل ضمن إطار وطني جامع.
ويبقى السؤال المركزي مطروحاً: هل يمكن إعادة بناء عقد اجتماعي فلسطيني في ظل هذا التعدد في المرجعيات؟ أم أن استعادة وحدة القرار الوطني وإصلاح النظام السياسي باتت الشرط الأساسي لإنقاذ المشروع الوطني وإعادة ترميم الثقة بين المواطن ومؤسساته؟