الشعب قرر الانتفاض...فنطقت الأرض غضبا وطنيا
حسن عصفور
الشعب قرر الانتفاض...فنطقت الأرض غضبا وطنيا
لعل الشعب الفلسطيني أكثر شعوب المعمورة تختزن ذاكرته أحداثا لتوثيق مساره في طريق الدفاع عن الهوية الوطنية والذات السياسية، وقبلهما أرضه التي تميزت عن غيرها، مكانة وارتباطا روحيا بأماكن مقدسة لأتباع الديانات المختلفة، كان لها أن تكون أرض سلام ومحبة، لولا أنها ابتليت بحركة يهودية صهيونية تكره كل ما سواها.
كما اليوم، وقبل خمسين عاما، خرجت فلسطين، كل فلسطين لتعلن يومها الخالد، بعدما أطلق شاعر النبض الثوري المعاصر توفيق زياد الشعار الخالد، الشعب قرر الإضراب، فكانت الهبة ردا على مخطط تهويد الأرض، هبة غضب فجرها أهل الأرض وشعب فلسطين.
القيمة المضافة ليوم الأرض فيما كان هبة خاصة، سجلت ذاتها في سجل التاريخ الوطني، كعلامة مميزة تعيد نبضها في مختلف منحنيات الأرض، ومسارها الذي حاولوا كثيرا كسره ليتوافق ومسارهم التهويدي، فجاءت لتلعن دون التباس أن هذه أرض تحدثت عربي وستبقى تنطق عربي.
الذكرى الخمسون ليوم الغضب الكبير، تحضر في زمن هو الأكثر سوادا في مسار الشعب الفلسطيني منذ النكبة الكبرى الأولى باغتصاب الوطن التاريخي 1948، بعدما أقدمت دولة العدو الاحلالي على ارتكاب حرب إبادة سكانية وجغرافية ضد بقايا الوطن في الضفة والقدس وقطاع غزة، وبناء نظام فصل عنصري كامل الأركان داخله، نحو تهويد كامل الوطن الفلسطيني.
الذكرى الخمسون ليوم الأرض، كان لها أن تكون قوة فعل ثوري ضد التهويدية الشاملة، إلا أن حرب إيران تعاكست وما كان يجب أن يكون، بل أن دولة العدو الاحلالي باتت تجد ذاتها "عنصرا إقليميا فاعلا"، لها يد طولى هناك من يراها من العرب وبلا ارتعاش "حليفهم الأساسي" في قادم الأيام.
منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وما تلاها أحداث رفعت مكانة فلسطين لتصبح دولة مراقب في الأمم المتحدة، لم تتمكن حركة العدو الاحلالي من محاصرة الوطنية الفلسطينية كما تمكنت منذ مؤامرة 7 أكتوبر 2023، ليس بجرم الإبادة البشرية وتدمير كل ما كان حياة إنسانية في قطاع غزة، وتعزيز مشروعها البديل، بل فيما حققت من كسر العامود الفقري لأي حركة غضب وانتفاض، كسر الذات الفلسطينية، لتفقدها ما كان ميزتها الأعظم تحديا وإرادة وغضب ثوري أصبح رمزا لشعوب الأرض، لزمن انتظاري مجهول.
لم يكن لفلسطيني وعربي أن يفكر يوما بأن ينادي البعض العربي بالتحالف مع العدو الأبدي للقضية المركزية فلسطين، ليكسروا كل ما كان "ثوابتا"، مستبدلين "المحرمات السياسية" بـ "المحللات الذاتية"، دون أن يكون فعلا غاضبا معاكسا، يمثل جدارا واقيا لبقايا "روح قومية" أمام هجوم استعماري حديث متعدد الرؤوس والمظاهر.
كان للذكرى الخمسين ليوم الأرض، أن تطلق موجة من الغضب الوطني فوق أرض فلسطين، لكن من يملك قرارها فقد القدرة أن يغضب على عدو، مستبدلين معادلة "الغضب الممكن بالستر الممكن".
في زمن السواد العام، هل يصبح الفعل الانتفاضي ذكرى احتفالية في فلسطين، أم هناك صرخة متجددة آتية تعلن "الشعب قرر الانتفاض"..تلك هي المعركة الكبرى.