نشر بتاريخ: 2026/02/20 ( آخر تحديث: 2026/02/20 الساعة: 13:59 )
بقلم: شريف الهركلي

رمضان تحت القصف… طقوس الحياة في وجه آلة الموت

نشر بتاريخ: 2026/02/20 (آخر تحديث: 2026/02/20 الساعة: 13:59)

الكوفية يطلّ علينا شهر رمضان من نافذةٍ مكسورٍ زجاجُها، مثقوبةٍ بجراح الحرب، لكنّ الضوء يتسلّل رغم الشقوق. يأتي رمضان هذا العام إلى شعبٍ يعيش تحت القصف، محاصرًا بالخراب، مُثقَلًا بالصمت الدولي. وسط الرماد يقف شعبُنا ليستقبله واقفًا، لا منحنياً. هنا، لا يكون الصوم امتناعًا عن الطعام فحسب، بل امتناعًا عن الانكسار، وتغدو العبادة فعلَ مقاومةٍ أخلاقية في وجه آلة القتل.

في زمنٍ تُقاس فيه إنسانية العالم ببيانات الشجب الباردة، يواصل الفلسطيني ترتيب طقوسه الروحانية كمن يعلن: نحن هنا، لم نُمحَ، ولن نُمحى. يضغط على جراحه، يربط على ألمه، ويستقبل الضيف الكريم بقلبٍ يعرف أن الحياة موقف، لا رفاهية.

كلّ عام وأنتم بخير، شعبَنا الفلسطيني في الداخل والشتات، وكلّ عام والأمّة الإسلامية والعربية بخير. أعاده الله علينا وعليكم باليُمن والبركات، لا كعبارةٍ موسمية، بل كدعاءٍ لعدالةٍ غائبة وكرامةٍ تُنتهك على مرأى العالم.

لرمضان طقوسٌ لا تهزمها الحرب. في الحارات القديمة، في الشجاعية، تُعلَّق الزينة والأعلام فوق ذاكرة الركام، وتتنفّس الشوارع فرحًا عنيدًا. الأطفال—ضحايا هذا العصر الصامت—يشعلون الفوانيس بما تبقّى لهم من لعبٍ بسيطة، وتطلق الألعاب النارية أصواتها وألوانها، فتضيء وجوهًا صغيرة تعلّمت مبكرًا أن الفرح أيضًا شكلٌ من أشكال العصيان.

وتبقى الأسواق شاهدًا على نبض الحياة: بسطات تبيع حاجيات الشهر، محالّ القطايف والحلوى، عربات الخروب. روائح تختلط فيها الذاكرة بالجوع، والحنين بالصبر. وعلى الموائد المتعبة يحضر الضيف الدائم: الفول والحمص، الفلافل المحشوة، ضمّة الجرجير والفجل والمخللات بأنواعها—تفاصيل بسيطة، لكنها تُفشل رهانات القتل على كسر اليوميّ الفلسطيني.

أمّا الروح، فميدانها أوسع. صلاةٌ في المساجد، خطبٌ تذكّر بأن الظلم لا يدوم، وندوات تعيد تعريف الصبر بوصفه وعيًا لا استسلامًا. هنا تتحوّل العبادة من طقسٍ فرديّ إلى موقفٍ جمعيّ، يفضح زيف حضارةٍ تتغنّى بحقوق الإنسان وتغضّ الطرف عن مأساةٍ تُبثّ على الهواء مباشرة.

لكنّ الألم لا يُجمَّل. في رمضان تتّسع الذاكرة للأحبّة الذين رحلوا، وتبقى أماكنهم فارغة كجرحٍ مفتوح. كيف أستقبل الشهر دون ولدي ساري، الشهيد؟ سؤالٌ لا ينتظر جوابًا من عالمٍ خذلنا، بل من إيمانٍ يشدّ القلب حين تتكاثر الأسئلة. أعاننا الله على فقدنا، وعوّضنا خيرًا، وجعل الفقد شهادةً لا ندبة.

رمضان وخيامُ النازحين التي يلفحها الحرّ الشديد، كأننا في فرنٍ قماشيّ. بألوانها البيضاء كالأكفان، تقف شاهدةً على هشاشة العالم وقسوته. طوابير الخبز والتكيات والمياه صارت يوميّاتٍ تختبر صبرنا؛ حياتنا باتت طوابير انتظار، كأن الروح أُرهِقت من الرتابة القاسية.

رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وفكّ قيد الأسرى.

رمضان هنا ليس موسمًا للزينة فقط، بل محكمةٌ أخلاقية تُدين الصمت، وتفضح المعايير المزدوجة، وتعلن أن شعبًا يصوم تحت القصف أقدر على الحياة من عالمٍ يشبع ويتفرّج.

كلّ عام وأنتم بخير، وأمنٍ وسلام—سلامٌ لا يُطلب بالبيانات، بل يُنتزع بالحق.