نشر بتاريخ: 2026/02/15 ( آخر تحديث: 2026/02/15 الساعة: 11:04 )
أكرم عطا الله

أسـئـلـة غـزة وواقـعـهـا..!

نشر بتاريخ: 2026/02/15 (آخر تحديث: 2026/02/15 الساعة: 11:04)

الكوفية تكثر التساؤلات في غزة لمجتمع يعد الزمن بالأيام استعجالاً لعودة الحياة عن قادم تؤثر به جملة التعقيدات التي تضعها جميع الأطراف، يضاف إليها عقد الواقع الذي يحتاج إلى سنوات للترميم، هذا إذا افترضنا حسن نية إسرائيل، وتلك واحدة من المستحيلات، لأن البرنامج الإسرائيلي قائم على تدمير وتشتيت الفلسطينيين وليس عودتهم كمجتمع طبيعي يمارس حياته صاعداً على درجات هرم ماسلو ليعود من جديد باحثاً عن الاستقلال الوطني ويعيد إنتاج أدواته في مكافحة الاحتلال. بل كان الإعلان الإسرائيلي واضحاً بتهجير السكان وتدمير كل مقومات الحياة وقد فعلها.

لم يتغير شيء واللجنة المكلفة إدارة غزة بدأت تشعر بأن هناك واقعاً أكبر من ترميمه بخفة ترامبية، وبأن القتل لم يتوقف وأن الحصار مستمر وأن ما يجري على معبر رفح من تعقيدات وقيود وإهانة وإذلال ومنع ليس سوى إشارة ممهورة بختم إسرائيل على المرحلة الثانية وأنها ستستمر في إنهاك المجتمع الفلسطيني ومنع الحياة وصولاً لما تريد. فقد وقعنا في الفخ الذي نصبه لنا التاريخ.

و»حماس» أصيبت بهزيمة تفترض إزاحتها عن المشهد كما كل النظم التي قامت بمراهنات خاطئة وأفلست بعد أن صرفت كل رصيدها في ضربة واحدة. ولكنها تصر وكأن شيئاً لم يكن، وتتحدث بنفس لغة ما قبل الزلزال الذي أطاح بها وأطاح بمجتمع وقضية كاملين، لذا لم يكن من المصادفة أن تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي تصريحات مسؤوليها ومُنظريها بنوع من التندر لأن جميعها ترفض الاعتراف بالواقع الميداني والسياسي القائم محلقة في فضاء واقع متخيل، وهو ما يمكن تسميته المرض السياسي حين يعيش حالة الانفصام الكلي عن الواقع، وهو ما اعتاش عليه الإسرائيلي ليدحرج الحرب لعامين يعطياه فرصة هائلة لتدمير الحيز الجغرافي، كجزء من ضرورات الهدف الذي يريد الوصول للتدمير الكلي ومنع عودة الحياة وتحويل غزة لطاردة وقد حصل.

ولسخرية التاريخ، تكتمل فصول المهزلة بتعيين القائد الأعلى لقوات الإبادة الجماعية «بنيامين بن تسيون نتنياهو» عضواً بمجلس اسمه «مجلس السلام». هكذا تتخذ السياسة هذا الشكل من الملهاة حد الجنون ولكن لدى رئيس رأينا جميعاً معاييره الإنسانية، ونحن أمام حالة مرضية أخرى سقطت كل معاييرها الطبيعية لتخترع معايير جديدة منها أن نتنياهو رجل سلام وهكذا،.. صحيح أن العالم كان يحتاج لسياسي ساخر على نمط الزعيم الليبي الراحل لكسر رتابة السياسة، لكن قذافي الولايات المتحدة ذهب بعيدا في الجنون إلى الحد الذي أصبح كابوساً للبشرية باستثناء روسيا والصين وتلك رواية أخرى ستأتي في مقال لاحق.

تختصر اللجنة المكلفة إدارة غزة الواقع القائم في بيانها حين تقول بلا مواربة، «لا يمكن للجنة أن تتحمل مسؤولياتها على نحو فعال ما لم تمنح الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة اللازمة لأداء مهامها، بالإضافة للمهام الشرطية والمسؤولية تقتضي تمكيناً حقيقياً يتيح لها العمل بكفاءة واستقلالية» وهي أول إشارة حقيقية من اللجنة بصعوبة العمل وتسلل جو الإحباط ومقدمة لما يشبه الاعتذار عن القدرة على العمل، لأن في الأمر ما يحمل هذا القدر من الترقيع وتربص الإطراف ونوايا كلها اجتمعت لتحقيق برامجها على جثة غزة وروح أهلها. فلا إسرائيل تريد لها أن تعيش وهي تستمر بإبادة الحياة، ولا «حماس» تريد أن تتنحى عن طريق الغزيين مصرة على البقاء حاكماً من خلف الستار بموظفيها دون أن تقدم مقترحات منطقية تعكس تفهمها للواقع، وكأن حالة من التلعثم تصيب اللحظة التي يعبر عنها تحذير اللجنة وخفة ترامب وعملية الترقيع الحاصلة.

تنقل صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن أحد القادة السابقين للمجمع الاستخباراتي في إسرائيل قوله، إن «هناك ثلاثة خيارات فقط لغزة ومن يقول غير ذلك فهو مخطئ ويضلل: إما أن تسيطر (حماس) على غزة أو أن تسيطر إسرائيل أو أن تسيطر السلطة الفلسطينية وأقدر أن معظم مواطني إسرائيل لا يريدون الخيارين الأوليين لكن نتنياهو وحكومته لا يرغبان في الثالث»، هذا هو نوع من السخرية للحلول لألعاب نتنياهو التي أقنع بها الرئيس المولع إعجاباً به كما أقنع رؤساء سابقين بلعبته التي أحرقت الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي عندما قرر استخدام «حماس» كأصل استراتيجي لقطع الطريق على الحل السياسي، قبل أن يحترق بلعبته تلك على يد قائد الحركة في غزة الذي قرر الكف عن أن تكون حركته مادة استخدامية ليقلب الطاولة على الجميع في مغامرة كانت فداحتها أكثر من بقائها. لكن الحركة التي لم تكن تدرك لعبة السياسة لم تعرف أن الإسرائيلي استدرجها لخيارات مدمرة لها أيّا كان قرارها سواء الاستمرار في لعبة نتنياهو أو الانسحاب منها.

هل يعتبر اجتماع مجلس ترامب، الخميس، بشراكة نتنياهو بداية انفراجة وخروج من حالة الجمود والتشاؤم؟ المنطق يصاب بالحذر عندما يتعلق الأمر بنتنياهو، فالصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على هذه الأرض هو صراع وجود وليس صراعا اقتصاديا أو عسكريا، تلك تعبيرات متغيرة فقط، أي من يتواجد على الأرض ومن يرحل عنها، وهذا ما لم تفهمه «حماس» التي ذهبت حد تهديد الوجود، ولا أحد يشك برغبة نتنياهو بتوفير عوامل وجود الشعب فتلك فرصته تعززها بدائية وانفصال الآخر عن واقعه.

نقلاً عن الأيام...