كلنا نريد الجنة لكن لا أحد يريد الموت
كلنا نريد الجنة لكن لا أحد يريد الموت
الكوفية مقولة فلسفية لا يمكن استخدامها في توصيف واقعنا الحالي فقط، بل في توصيف كثير من الظواهر والسلوكيات سواء كانت على المستوى الفردي أو الجمعي للشعوب.
مثل غيري، أقف مبهورًا (بالجمهورية الجديدة) لمصر برئاسة رئيسها عبد الفتاح السيسي، الذي يُجمع الباحثون والمهتمون على أنه يقود مصر حاليًا بخطى واثقة نحو دورها الريادي في المنطقة على جميع المستويات بعد أن انتزعها من براثن فوضى الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة.
لكن بالنظر إلى الأحداث التي عصفت بمصر، فمصر لم يكن لها أن تصل إلى جمهوريتها الجديدة دون مخاض ثورة يناير، حتى وصلت إلى بر الأمان، كانت الكلمة للشعب والجماهير صاحبة القرار والحضور، ثم النخب التي وضعت استراتيجيتها لمواجهة مؤامرة ما يسمى بالربيع العربي.
مصر اليوم تجاوزت أزمتها الأعمق والأخطر، أما في حالتنا الفلسطينية عموماً والغزاوية تحديدًا، فيبدو الواقع أشد تعقيدًا وضبابية، فرع الإخوان في غزة (حماس) لديهم ما يمكن تسميته بالحصانة الشرعية (إذا ما اعتبرنا أن المقاومة تمنح أصحابها شرعية ما)، وهي شرعية تشبه تلك التي امتلكتها فصائل الثورة سواء الفلسطينية أو حتى العالمية (الشرعية الثورية)، لكن حماس اجتهدت بخطوات منفردة نحو شن حرب لم تعتمد فيها إلا على اعتقاد بأن محور حلفائها من غير الفلسطينيين سيلحق بها، وهو ما أخطأت حماس في تقديره، والنتيجة هي تلك النتائج الكارثية التي دفعها شعبنا في غزة سواء على المستوى البشري بفقدان أكثر من 70 ألف شهيد واحتلال نصف غزة وتدمير معظمها، وإطلاق سراح الأسرى دون صفقة مشرفة أو حتى تبييض السجون، ناهيك عن وثيقة ترامب التي أذعنت لها حماس في نهاية المطاف.
مصير غزة اليوم بات على حافة طرق كلها تبدو سيئة، بدءًا من سيناريو استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه (اللا سلم ولا حرب والموت بالتجزئة)، أو سيناريو تعنت حماس ومواصلة تمسكها بالسلاح كما أعلن بعض قادتها في أكثر من تصريح، وقضية الموظفين التي ينظر إليها كحجر عثرة أمام لجنة التكنوقراط، أو السيناريو الوردي وهو عودة أعضاء اللجنة وبدء عملها وسط ألغام كثيرة، وأكبر تلك الألغام هي رغبة نتنياهو بعدم الانتقال للمرحلة الثانية وفتح المعبر إلا بعد شرط نزع سلاح حماس أولًا ثم نزع سلاح غزة ثانيًا (وهذا يحتاج لتفسير)، والله وحده يعلم ما يخبئه نتنياهو من اشتراطات قادمة.
ليبقى السيناريو الأخير عودة الحرب وما تناقله العائدون إلى غزة عبر معبر رفح خلال اليومين الماضيين من تهديدات إسرائيلية لسكان المواصي بالاستعداد للنزوح وعودة الحرب.
وسط كل ذلك يقف المواطن الغزاوي وقد أحاط به الموت والعجز من كل ناحية، فلا خارطة فلسطينية واضحة المعالم، ولا سلطة حاضرة في المشهد الغزي سواء قبل الحرب أو أثناءها أو بعدها، ولا تنظيم فتح قائم في غزة بعد أن تم تغييبه لسنوات طويلة بفعل سياسة حماس وقبضتها الحكومية في غزة وإجراءات السلطة وفتح ضد غزة، بل لم تستطع فتح الأم *على الأقل* تنظيم حملة لتأمين قوافل المساعدات في فترة الحرب، أو القيام بأي جهد وطني بعد الحرب، ناهيك عن سياسة السلطة وموقف فتح في الضفة من غزة وإجراءات السلطة ضد غزة في ملفات عديدة.
بالمقابل يبدو الموت كمن يحيط بكل تفاصيل المشهد في سيناريوهاته المختلفة في غزة، ولا جنة تلوح في الأفق القريب.
لا أرسم هنا مشهدًا سوداويًا للواقع، بل بوضوح فإن الشعوب التي لا تملك قرارها تستحق خواتمها.
هل نريد غزة بلجنة تكنوقراط تتبع لمجلس السلام باعتبارها أفضل ما هو متاح حاليًا؟؟؟
حسنًا، فليكن هناك صوت وحضور شعبي داعم لهذه اللجنة، داعيًا كل الأطراف لتذليل العقبات وعدم وضع العصي في الدوليب بجرأة ووضوح.
أما المشهد الراهن فهو يعني بوضوح أن شعبنا وفصائل القرار تسير وفق ما يرسمه لنا نتنياهو من خطوات وأفخاخ نسقط فيها تباعًا دون أن نتعلم من دروس الماضي.
نحن نبدو بوضوح كمن يريد الجنة دون أن يموت ولا يحيا.
نحن نقف هناك في منتصف العبث، ندفع الأثمان ونُجيد صناعة فن الانتظار.
غزة اليوم تبحث عن صوت قوي يقودها ويعيد لأراملها وجرحاها وشبابها الأمل بأنه ثمة جنة أمل قادمة رغم كل ما يحيط بنا.
نحن وسط كل هذا العبث ننتظر...