ماذا ينتظر قطاع غزة؟
حرب صامتة أم سلام طويل الأمد في ظل الوعود الدولية وخطط السلام المقترحة؟
أحمد حرب
حرب صامتة أم سلام طويل الأمد في ظل الوعود الدولية وخطط السلام المقترحة؟
الكوفية منذ عقود، يعيش قطاع غزة على إيقاعٍ متقلب بين الحرب والهدوء الهش، بين وعود دولية لا تكتمل، وخطط سلام تتعثر عند أول اختبار حقيقي. ومع كل جولة تصعيد أو تهدئة، يعود السؤال نفسه بإلحاح أكبر: هل يتجه قطاع غزة نحو حرب صامتة طويلة الأمد، أم أن السلام الموعود بات قريبًا فعلًا؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا أو سياسيًا فحسب، بل تحوّل إلى سؤال وجودي يلامس تفاصيل الحياة اليومية لأكثر من مليوني إنسان يعيشون في مساحة جغرافية محاصرة، تعاني من أزمات إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
أولًا: غزة بين الحرب التقليدية والحرب الصامتة
1. مفهوم الحرب الصامتة
الحرب الصامتة لا تعني غياب القصف أو الدبابات، بل تعني استمرار أدوات الضغط بوسائل أقل ضجيجًا وأكثر فتكًا على المدى الطويل، مثل:
الحصار الاقتصادي الخانق
تقييد حركة الأفراد والبضائع
انهيار المنظومة الصحية
تدمير البنية التحتية دون إعادة إعمار حقيقي
إنهاك المجتمع نفسيًا واجتماعيًا
في هذا السياق، قد لا تسقط القنابل، لكن تسقط القدرة على الحياة.
2. مظاهر الحرب الصامتة في غزة
يعاني قطاع غزة من:
معدلات فقر وبطالة من الأعلى عالميًا
انعدام الأمن الغذائي
تراجع جودة التعليم والخدمات الصحية
أزمة كهرباء ومياه مزمنة
هجرة العقول وفقدان الأمل لدى فئة الشباب
كل ذلك يحدث في ظل غياب حرب عسكرية شاملة، لكنه يشكل حرب استنزاف بطيئة تهدد مستقبل القطاع بالكامل.
ثانيًا: الوعود الدولية… بين الخطاب والواقع
1. خطاب إنساني دون التزام سياسي
غالبًا ما تُصدر الأطراف الدولية بيانات تدعو إلى:
حماية المدنيين
تحسين الأوضاع الإنسانية
دعم الاستقرار طويل الأمد
لكن هذه الوعود تصطدم بواقع:
غياب آليات إلزام حقيقية
ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي
ربط المساعدات الإنسانية باعتبارات سياسية وأمنية
فيتحول الدعم الدولي إلى إدارة للأزمة لا حلّ لها.
2. إعادة الإعمار المشروطة
رغم الدمار الواسع الذي لحق بغزة في الحروب المتكررة، بقيت مشاريع الإعمار:
بطيئة
مشروطة
جزئية
غير قادرة على إحداث تحول اقتصادي حقيقي
وهكذا، يُعاد بناء ما دُمّر، دون معالجة الأسباب التي أدت إلى تدميره أصلًا.
ثالثًا: خطة السلام المقترحة… سلام أم هدنة طويلة؟
1. ملامح عامة لخطة السلام
الخطط المطروحة – سواء نُسبت للإدارة الأمريكية السابقة أو جرى تداولها بصيغ معدّلة – تتحدث عن:
تهدئة طويلة الأمد
تحسين الوضع الاقتصادي
مشاريع بنى تحتية
تسهيلات معيشية مقابل استقرار أمني
لكنها غالبًا تتجنب القضايا الجوهرية مثل:
إنهاء الاحتلال
رفع الحصار بشكل كامل
الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني
وحدة الأرض والتمثيل الفلسطيني
2. سلام بلا عدالة؟
السلام الحقيقي لا يقوم فقط على:
المساعدات
المشاريع
التسهيلات المؤقتة
بل يحتاج إلى:
عدالة
اعتراف بالحقوق
ضمانات دولية واضحة
وأي سلام لا يلبّي هذه الشروط، قد يتحول إلى هدوء مؤقت يخفي انفجارًا قادمًا.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل غزة
السيناريو الأول: استمرار الحرب الصامتة
وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، حيث:
لا حرب شاملة
ولا سلام حقيقي
استمرار الحصار مع بعض التسهيلات
إدارة الأزمة بدل حلها
السيناريو الثاني: تصعيد عسكري جديد
قد يحدث نتيجة:
فشل التفاهمات
تدهور إنساني حاد
تغيرات سياسية إقليمية
وهذا السيناريو يعيد غزة إلى دائرة الدمار من جديد.
السيناريو الثالث: سلام طويل الأمد (الأقل احتمالًا)
يتطلب:
إرادة دولية حقيقية
إنهاء الحصار
مسار سياسي شامل
شراكة فلسطينية داخلية قوية
دون ذلك، سيبقى السلام شعارًا أكثر منه واقعًا.
خامسًا: الإنسان الغزي… الخاسر الدائم؟
في قلب كل هذه السيناريوهات، يقف الإنسان في غزة:
ينجو من الحرب ليواجه الفقر
ينجو من القصف ليصطدم بالحصار
يحلم بحياة طبيعية في واقع استثنائي
أكبر خطر يهدد غزة اليوم ليس فقط الحرب، بل اعتياد المعاناة، وتحول الألم إلى جزء من الحياة اليومية.
خاتمة: بين الانتظار والمجهول
يبقى قطاع غزة معلقًا بين خيارين أحلاهما مرّ:
حرب صامتة تستنزف الحياة ببطء
أو سلام ناقص لا يعالج الجذور
وما لم يتحول الخطاب الدولي من إدارة الأزمة إلى حلّها، ومن الوعود إلى الالتزام، سيبقى السؤال مفتوحًا: ماذا ينتظر غزة؟
ربما لا ينتظر أهل غزة المعجزات،
بل فقط حقهم في حياة آمنة، كريمة، وعادلة.