صورية بوعمامة: حين يتحول الصوت إلى موقف… والإعلام إلى معركة وعي
صورية بوعمامة: حين يتحول الصوت إلى موقف… والإعلام إلى معركة وعي
الكوفية في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص فيه المعاني، تبرز قلة نادرة من الأسماء التي لا تكتفي بأن تكون جزءا من المشهد، بل تعيد تشكيله من الداخل. صورية بوعمامة ليست مجرد إعلامية عبرت استوديوهات البث، بل هي تجربة ممتدة في الوعي، وسيرة مهنية كتبتها بالاحتكاك المباشر مع قضايا الإنسان، لا بالجلوس على هامشها. هي من ذلك الطراز الذي لا يفصل بين الميكروفون والضمير، ولا بين الكاميرا والحقيقة.
حين نتأمل مسارها داخل الإعلام الجزائري، ندرك أننا أمام نموذج مختلف، لم يصعد عبر الصدفة أو المجاملة، بل عبر تراكم معرفي ومهني عميق. لقد قضت سنوات طويلة في قلب المؤسسات الإعلامية، حيث شغلت مناصب عليا، لم تكن فيها مجرد مسؤولة إدارية، بل كانت فاعلا مؤثرا في صياغة الخطاب الإعلامي وتوجيه بوصلته. كانت تدرك أن المنصب ليس امتيازا، بل مسؤولية ثقيلة، وأن الكلمة حين تصدر من موقع القرار تصبح فعلا سياسيا وأخلاقيا في آن واحد.
لم تكن صورية بوعمامة إعلامية تقليدية تكتفي بنقل الخبر، بل كانت تمارس دورها بوصفه فعلا نقديا. كانت تقرأ ما وراء الحدث، وتبحث عن السياقات الخفية التي تصنعه، وتدرك أن الإعلام الحقيقي لا يكتفي بالإجابة عن سؤال "ماذا حدث؟"، بل يذهب أبعد، إلى "لماذا حدث؟" و"لصالح من يحدث؟". من هنا، تحولت تجربتها إلى ما يشبه ورشة دائمة لإعادة تعريف وظيفة الإعلام في مجتمع يعيش تحولات متسارعة.
وفي قلب هذا المسار، تبرز ملامح نضالها الفكري والمهني من أجل القضايا العادلة. لم تكن الحيادية عندها مرادفا للبرود أو التواطؤ، بل كانت تفصل بذكاء بين المهنية واللا موقف. لقد اختارت أن تكون منحازة للإنسان، للحق، للكرامة، دون أن تسقط في فخ الخطاب الشعبوي أو التوظيف الإيديولوجي الضيق. وهذا ما منح صوتها صدقية نادرة، وجعل حضورها يتجاوز حدود الشاشة إلى فضاء التأثير الحقيقي.
وتظل القضية الفلسطينية واحدة من أبرز محطات هذا الانحياز الواعي. لم تتعامل معها كخبر موسمي أو مادة إعلامية عابرة، بل كقضية مركزية في الضمير العربي. كانت تدرك أن فلسطين ليست مجرد جغرافيا محتلة، بل هي اختبار أخلاقي دائم لكل خطاب إعلامي. لذلك، كان حضورها في هذا الملف مشحونا بوعي تاريخي وإنساني، يرفض التبسيط، ويقاوم محاولات التمييع. كانت تسائل الروايات، وتفكك الخطابات، وتعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه جوهر الحكاية، لا مجرد رقم في نشرات الأخبار.
إن تجربة صورية بوعمامة تكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بوظيفة الإعلام في عالم مضطرب. هل الإعلام مرآة تعكس الواقع كما هو؟ أم أداة تعيد تشكيله وفق مصالح معينة؟ في مسارها، نجد محاولة جادة للإجابة عن هذا السؤال، عبر ممارسة مهنية ترفض أن تكون مجرد صدى، وتسعى إلى أن تكون صوتا نقديا، قادرا على إزعاج السائد، وكشف المسكوت عنه.
ولعل ما يميزها أيضا هو قدرتها على الجمع بين الصرامة المهنية والحس الإنساني. لم تكن اللغة عندها مجرد أداة للتوصيل، بل كانت جزءا من المعركة نفسها. كانت تختار كلماتها بعناية، تدرك أن المفردة قد ترفع قضية أو تقتلها، وأن الانزلاق اللغوي قد يكون أخطر من الخطأ المهني. لذلك، حافظت على خطاب متوازن، عميق، يزاوج بين الدقة والالتزام.
في زمن تتحول فيه بعض المنصات إلى فضاءات للضجيج، تقدم صورية بوعمامة نموذجا مختلفا: إعلامية تؤمن بأن الصمت أحيانا أبلغ من الكلام، وأن الكلمة حين تقال يجب أن تكون ضرورية، لا زائدة. هي لا تسعى إلى الحضور من أجل الحضور، بل إلى التأثير من خلال المعنى.
إن الحديث عنها ليس استعادة لمسار فردي فحسب، بل هو أيضا استدعاء لفكرة الإعلام بوصفه مسؤولية تاريخية. فالإعلامي، في نهاية المطاف، ليس مجرد ناقل للوقائع، بل شاهد على عصره، ومسؤول عن جزء من ذاكرته. وصورية بوعمامة، بهذا المعنى، ليست فقط إعلامية قديرة، بل هي شاهدة على مرحلة، ومساهمة في تشكيل وعيها.
هكذا، يتحول الصوت إلى موقف، وتتحول المهنة إلى رسالة، ويتحول الإعلام، في يد من يدرك قيمته، إلى معركة من أجل الحقيقة… لا تنتهي.