"ذرة تراب على جبين عاشق": "سِيَرٌ تتناثر كغبار الذاكرة: حين يتحوّل التوثيق إلى شعرٍ خفي"
"ذرة تراب على جبين عاشق": "سِيَرٌ تتناثر كغبار الذاكرة: حين يتحوّل التوثيق إلى شعرٍ خفي"
الكوفية في كتاب "ذرة تراب على جبين عاشق" للكاتبة مريم اللبدى، لا نقف أمام عمل أدبي تقليدي يتكئ على بنية سردية واضحة أو حبكة متنامية، بل نحن بإزاء نصّ هجين يتقاطع فيه التوثيق بالسيرة، والذاكرة بالهوية، والكتابة بوصفها فعل مقاومة ناعم في وجه النسيان. إن هذا العمل، في جوهره، ليس مجرد تجميع لسير ذاتية متفرقة، بل هو محاولة واعية – وإن بدت تلقائية – لبناء أرشيف إنساني موازٍ، تُكتب فيه الحيوات الصغيرة بلغة كبيرة، ويُعاد الاعتبار للأفراد بوصفهم نصوصًا قائمة بذاتها.
أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو طبيعته التركيبية؛ إذ لا يعتمد على وحدة صوت سردي واحدة، بل يقدّم فسيفساء من الأصوات، كل سيرة فيها تشكّل شظية من مرآة أكبر تعكس تجربة إنسانية فلسطينية وعربية ممتدة في الجغرافيا والتاريخ. هذا التعدد الصوتي لا يُعدّ خللًا بنيويًا، بل هو في ذاته موقف جمالي، حيث تتحول الذات الجمعية إلى بطل خفي، وتتراجع الفردية لصالح نوع من "الوعي المشترك" الذي يتسلل بين الأسطر.
من الناحية الأسلوبية، يتراوح النص بين لغة تقريرية أقرب إلى السيرة الذاتية الكلاسيكية، ولغة شعرية تتسلل خفية في بعض المقاطع، خاصة في الإهداء أو في توصيف التجارب الإنسانية العميقة. هذه الازدواجية الأسلوبية تخلق نوعًا من التوتر الجمالي؛ فالقارئ ينتقل من جفاف المعلومة إلى دفء الشعور، ومن التوثيق الصارم إلى الانفعال الإنساني. ورغم أن هذا التباين قد يبدو في بعض المواضع غير منضبط، إلا أنه يعكس صدق التجربة أكثر مما يعكس خللًا فنيًا، لأن النص هنا لا يدّعي الكمال بقدر ما يسعى إلى التقاط الحياة كما هي: متناقضة، متداخلة، وغير مكتملة.
أما من حيث البناء، فإن غياب الحبكة أو التسلسل السردي لا يُعدّ نقصًا، بل هو خيار ضمني ينسجم مع طبيعة العمل. فالسير الذاتية، كما قُدّمت، لا تبحث عن ذروة أو نهاية، بل تكتفي بتسجيل الأثر. كل سيرة هي لحظة زمنية مكثفة، أشبه بصورة فوتوغرافية تُجمّد تجربة إنسانية في إطار لغوي. وهذا ما يمنح الكتاب طابع "الأرشيف الشعوري"، حيث تتحول التفاصيل اليومية – الدراسة، العمل، الهجرة، الإنجاز – إلى علامات دالة على مسارات وجودية أعمق.
في مستوى الدلالة، يشتغل النص على ثيمة مركزية هي "الهوية في المنفى". فمعظم الشخصيات تنتمي إلى فضاء فلسطيني، لكن حضورها يمتد إلى أماكن متعددة: كندا، أوروبا، الولايات المتحدة، وغيرها. هذا التشتت الجغرافي لا يُقدَّم بوصفه ضياعًا، بل بوصفه امتدادًا للذات. وكأن الكاتب (أو المُعدّ) يقول إن الهوية ليست مكانًا، بل تجربة محمولة في اللغة والذاكرة. هنا تتحول السيرة إلى فعل مقاومة رمزية، حيث يُعاد تثبيت الانتماء عبر الكتابة.
ومن زاوية نقدية أعمق، يمكن القول إن الكتاب يطرح سؤالًا ضمنيًا حول "قيمة الفرد العادي". فالشخصيات المعروضة ليست بالضرورة شخصيات تاريخية كبرى، بل أفراد عاشوا تجاربهم الخاصة وتركوا أثرًا في محيطهم. هذا التوجّه ينسجم مع تيار حديث في الأدب يُعيد الاعتبار للهامشي واليومي، ويرى في التفاصيل الصغيرة مادة خامًا للمعنى. غير أن هذا الطرح كان يمكن أن يكتسب قوة أكبر لو تمّ تعميق البعد السردي لكل سيرة، بدل الاكتفاء بعرض معلوماتي في بعض الأحيان.
من حيث اللغة، يلاحظ القارئ وجود اضطراب طباعي ولغوي في النص، سواء على مستوى التشكيل أو ترتيب الكلمات، وهو ما يؤثر جزئيًا على سلاسة القراءة. لكن إذا تجاوزنا هذا الجانب التقني، نجد أن اللغة في جوهرها صادقة وغير متكلفة، تميل إلى البساطة المباشرة، وتبتعد عن الزخرفة البلاغية المفرطة. وهذه البساطة، رغم ما قد تحمله من محدودية، تمنح النص نوعًا من الشفافية التي تجعله قريبًا من القارئ.
إحدى النقاط اللافتة أيضًا هي حضور المرأة بشكل واضح في هذا العمل، سواء ككاتبة أو كشخصية محورية في السير. هذا الحضور لا يُقدَّم بوصفه قضية نسوية صريحة، بل بوصفه واقعًا طبيعيًا، حيث تظهر المرأة كفاعل ثقافي واجتماعي، تكتب، تدرّس، تناضل، وتبدع. وهذا الطرح الهادئ يعكس تحولًا في الوعي الأدبي، حيث لم تعد المرأة موضوعًا للكتابة فقط، بل أصبحت منتجة لها.
في المقابل، يمكن توجيه بعض الملاحظات النقدية للعمل، أبرزها غياب الرؤية التحريرية الموحدة. فبما أن الكتاب قائم على تجميع سير متعددة، كان من الممكن أن يتدخل المُعدّ بشكل أعمق لإعادة صياغة النصوص ضمن إطار أسلوبي وبنائي أكثر انسجامًا. كذلك، يلاحظ غياب التعليق النقدي أو التحليل داخل السير، حيث يكتفي النص بعرض الوقائع دون تفكيكها أو تأويلها، مما يجعل القارئ في بعض الأحيان متلقيًا سلبيًا بدل أن يكون شريكًا في إنتاج المعنى.
كما أن الاعتماد الكبير على السرد التقريري يجعل بعض المقاطع أقرب إلى السيرة المهنية (CV) منها إلى النص الأدبي. وهذا يطرح سؤالًا حول الحدود بين الأدب والتوثيق: متى تتحول السيرة إلى نص أدبي؟ ومتى تبقى مجرد تسجيل معلوماتي؟ في هذا الكتاب، نجد أن الإجابة غير محسومة، وهو ما يمنح العمل طابعه الخاص، لكنه في الوقت ذاته يضعه في منطقة رمادية من حيث التصنيف.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار القيمة الإنسانية لهذا العمل. فبعيدًا عن المعايير الصارمة للنقد الأدبي، ينجح الكتاب في تحقيق هدف أساسي: حفظ الذاكرة. إنه يدوّن حيوات كان يمكن أن تُنسى، ويمنحها حضورًا لغويًا يجعلها قابلة للاستمرار. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتُمحى فيه التفاصيل بسرعة، يصبح هذا النوع من الكتابة ضرورة ثقافية قبل أن يكون خيارًا فنيًا.
في النهاية، يمكن القول إن "ذرة تراب على جبين عاشق" هو كتاب يقع عند تقاطع الأدب والتوثيق، يحمل في داخله تناقضاته الخاصة، لكنه ينجح في خلق أثر إنساني واضح. هو ليس نصًا مكتمل الأدوات من الناحية الفنية، لكنه نص صادق، والصدق – في كثير من الأحيان – أكثر تأثيرًا من الكمال. إنه كتاب يُقرأ لا بوصفه عملًا أدبيًا فقط، بل بوصفه شهادة على زمن، وعلى أناس قرروا أن يتركوا أثرًا، ولو كان بحجم "ذرة تراب"… لكنها، في سياق الذاكرة، أثقل من أن تُمحى.
