نشر بتاريخ: 2026/02/10 ( آخر تحديث: 2026/02/10 الساعة: 11:37 )
مهند عبد الحميد

هل يمكن تصويب العامل الذاتي الفلسطيني؟

نشر بتاريخ: 2026/02/10 (آخر تحديث: 2026/02/10 الساعة: 11:37)

لا يمضي يوم بدون صناعة وقائع استيطانية على الأرض وهدم بنيات فلسطينية، لا سيما روابط المواطن الفلسطيني بأرضه ومجتمعه. يجري كل شيء تحت عنوان تدمير مقومات حل الدولة الفلسطينية، والحيلولة دون نمو كيان فلسطيني مترابط قابل للتطور. معركة حامية الوطيس من طرف واحد تنطلق من مخططات وأهداف وموازنات وقرارات كنيست وقرارات الحكومة الكهانية. يبدأ التطبيق بمصادرة الأراضي ونشر البؤر الاستيطانية في محيط المستوطنات وفي الأماكن الإستراتيجية وتقاطع الطرق مروراً بتطهير عرقي في 60% من أراضي الضفة، المنطقة التي يطلق عليها تصنيف «سي»، وبمنع المزارعين والمواطنين من زراعة أراضيهم أو جني ثمار الأجزاء المزروعة بالزيتون والأشجار المثمرة، ويشمل في بعض المناطق أراضي البلدات المصنفة ( ب) والآن وبعد قرارات الكابنيت السياسي الأمني الأخيرة التي تغير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية التي تتضمن إزالة عوائق قائمة منذ عشرات السنين بما في ذلك إلغاء تشريعات أردنية تحظر بيع الأراضي للأجانب. وبهذا ستشمل الاستباحة رسمياً لمناطق «أ ، ب «. يستخدم في ذلك وسائل متنوعة كالحصار وتقطيع أوصال المدن والقرى عن بعضها البعض ببوابات وحواجز عسكرية، تجريد حملات قمع واعتقالات طالت مئات وآلاف الشبان، تدمير المنازل والممتلكات والشوارع وممارسة المستوطنين لأبشع أنواع الإرهاب، عبر قتل مواطنين وإشعال حرائق واقتلاع أشجار وترهيب المواطنين.

أصبح بلا معنى القول إن هذه الأفعال تتناقض مع اتفاق أوسلو واتفاقات كامب ديفيد المصرية ووادي عربة الأردنية التي أُبرمت تحت مبدأ الأرض مقابل السلام، وربما بلا معنى أكثر من القول إنها تتناقض مع الاتفاقات الإبراهيمية التي أبرمت تحت مبدأ السلام مقابل السلام، وتتناقض الى حد ما مع القوانين الإسرائيلية ومع بنود خطة ترامب، ومن نافل القول إنها تتنافر مع منظومات القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ومع المبادرة الفرنسية السعودية. حكومة نتنياهو تستفرد بالشعب الفلسطيني وتواصل تطبيق الحل الفاشي للقضية الفلسطينية في قطاع غزة أولاً، وفي الضفة الغربية ثانياً بدون كبح، وبدون مساءلة او اعتراض أو رد، بل تحظى «بحق» الحماية من العقاب. للأسف توقف العمل بالمبادرة الفرنسية السعودية التي كما يبدو انطفأت بعد ان كسبت المزيد من الدعم والتأييد الدولي، وبعد أن شكلت بديلاً للحل الفاشي الإسرائيلي. هل توقفت المبادرة بعد مساهمتها في وقف حرب الإبادة؟ وهو إنجاز يمكن البناء عليه، أم هل اندمجت بخطة ترامب التي تضمنت نصاً يدعو الى «الدخول في مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة، وهو ما ندرك أنه طموح الشعب الفلسطيني؟ كما ورد في النص. لكن نتنياهو نجح في حذف البند 21 من مسودة خطة ترامب الذي يحظر «فرض السيادة الإسرائيلية» على الضفة الغربية. واستُعيض عنه بتصريح من إدارة ترامب لا يجيز ضم الضفة الغربية. لكن نتنياهو وحكومته اتخذا سلسلة من القرارات والإجراءات وضعت الضم على سكة التطبيق وبمعدلات سريعة ومتلاحقة. ويتحكم نتنياهو أيضاً في تطبيق بنود خطة ترامب في قطاع غزة، وبخاصة في البند المتعلق بفتح معبر رفح، والبند الخاص بلجنة التكنوقراط الفلسطينية التي لم يُسمح لها بدخول قطاع غزة حتى الآن، وباستمرار جيش الاحتلال بتدمير ما تبقى من منازل وعمران واستهداف عناصر من المقاومة ومعهم اعداد أكبر من المدنيين والأبرياء. لماذا لا تعترض الدول العربية والاتحاد الأوروبي وكل الدول الداعمة للحقوق الفلسطينية، على السياسات الإسرائيلية التي تمضي في تقويض مقوّمات الحل وتهدد البقاء الفلسطيني، ولماذا التزمت الصمت إزاء الوصف الوظيفي لـ «مجلس السلام» الذي يعرّف نفسه كهيئة موازية أو بديلاً لهيئات الأمم المتحدة، والتي تتجاوز مهماتها قطاع غزة الى مناطق أخرى.

على ضوء ما تقدم، إذا تُرك نتنياهو وحكومته الكهانية أحراراً في اتباع سياساتهم بدون تدخل واعتراض جديين، وإذا تُرك ترامب وإدارته يعملان بدون تدخل واعتراض جديين، فإن الحل العدمي الفاشي الإسرائيلي للقضية الفلسطينية سيمضي إلى نهاياته الكارثية.

يظل العامل الفلسطيني عنصراً مهماً في تحسين او ترجيح كفة الرؤية والحل الدولي للصراع، او تقديم الذرائع للحل العدمي الفاشي الذي يتبناه نتنياهو وحكومته المتطرفةـ، وهذا ربما يستدعي انتقال السلطة والمنظمة بوصفهما الشرعية الفلسطينية من حالة العجز والترهل البيروقراطي ونفوذ أصحاب المصالح، بالخروج من الصندوق والدخول في حالة طوارئ، تُدخل تعديلات جوهرية في البنية الإدارية السياسية والجهاز الدبلوماسي، وتعرف الأولويات، بما ينسجم مع المصلحة الوطنية العليا، وبما ينسجم مع ضرورة إعادة بناء ثقة المجتمع بمؤسساته الرسمية، بعيداً عن التدخلات والإملاءات وأشكال الوصاية الخارجية. قد يبدو هذا المتطلب غير ممكن أو صعب المنال او مجرد كلام، لكنه واقعي إذا ما قورن بإعادة صياغة العامل الفلسطيني بالإملاء والوصاية الاستعمارية، وبما يخدم مصالح أصحابها والقائمين عليها، وإذا ما قورن بأهمية وضرورة استنهاض الشعب الفلسطيني وخروجه من الكارثة. المواطن وثقته ومشاركته، والمؤسسة التي تملك ديناميات تطور، والنقابات والاتحادات المهنية والشبيبة والمنظمات النسوية والضمان الاجتماعي المنبثقة من قواعدها والمدافعة عن مصالحها. ومنظومة القوانين الحديثة، والخروج من الصندوق الذي ينتمي الى الحرب الباردة والدخول في عالم الحداثة.. إنه رأس المال الذي نستطيع من خلاله عبور التحديات المصيرية. كان وما يزال أكبر حليف للشعب الفلسطيني هي تلك المؤسسات والمنظمات والاتحادات والحركات الاجتماعية والحكومات العالمية، لكنها لم تجد نظيراتها الفلسطينية المستعدة لتوظيف التضامن وبناء الجسور مع شعوب العالم إلا النزر اليسير. كان ينبغي أن تبدأ مسيرة بناء العامل الذاتي منذ اليوم الأول لتأسيس السلطة على الأرض الفلسطينية على أقل تقدير. لكن الفرصة أُهدرت سنةً بعد الأُخرى الى أن جاء الوقت ليستخدم الضعف الذاتي في الإخضاع والتصفية. مع ذلك يظل البدء بشق طريق إعادة البناء الصعب متأخرين وفي الوقت الضائع أفضل من الوصاية وتصفية القضية.

العنصر الأخطر الذي يهدد العامل الذاتي الفلسطيني هو استمرار حركة حماس في ركوب مغامرتها وإصرارها على بقاء دورها ومسؤولياتها في قطاع غزة باستخدام القمع والترهيب والابتزاز. ما يهم قيادة حماس هو بقاء تنظيمها حتى لو كان الثمن التفريط ببقاء شعبها في قطاع غزة. ما قاله خالد مشعل في منتدى الجزيرة يعكس التحلل من أبسط أشكال المسؤولية، عندما رفض نقد المقاومة وسلاحها ومن قام بها – يقصد مغامرة 7 أكتوبر-، وأكد على أن حماس لن تتخلى عن سلاحها وتسعى الى مقاربة لمعالجة سلاح المقاومة، ويتجاهل أن حركته وقعت على خطة ترامب التي تنص في بنودها على نزع سلاح حماس، ويتجاهل أنه بهذا يقدم أكبر ذريعة لنتنياهو كي يستأنف الحرب ويأتي على البقية الباقية من قطاع غزة ومواطنيه.