لماذا تأخرت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة عن الوصول ومباشرة عملها؟
أحمد حرب
لماذا تأخرت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة عن الوصول ومباشرة عملها؟
الكوفية رغم الإعلان الرسمي عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة باعتبارها مدخلًا إنقاذيًا لمرحلة ما بعد الحرب، ورغم الترحيب الشعبي الحذر الذي رافق هذا الإعلان، إلا أن السؤال الجوهري ما زال معلقًا:
لماذا لم تصل اللجنة إلى غزة حتى الآن؟ ولماذا لم تتسلم ملفاتها الإدارية وتباشر عملها من داخل القطاع، لا من خارجه؟
الواقع أن التأخير لم يكن عابرًا ولا تقنيًا، بل نتاج تداخل معقّد لعراقيل خارجية وأخرى داخلية، يشترك فيها الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس، كلٌ وفق حساباته ومصالحه، فيما يدفع الغزيون وحدهم ثمن لعبة الوقت.
من جهة الاحتلال، تبرز العراقيل الإسرائيلية بوصفها العامل الأكثر فجاجة ووضوحًا. إسرائيل لم تُخفِ رفضها العملي لأي صيغة إدارة فلسطينية مستقلة في غزة، حتى وإن كانت لجنة تكنوقراط بلا غطاء فصائلي مباشر. التحكم بمعبر رفح، وفرض آليات مرور معقّدة، والتباطؤ المتعمد في إعطاء الموافقات، كلها أدوات ضغط تُستخدم لإفراغ اللجنة من مضمونها، أو على الأقل تأجيل عملها إلى أن تتبلور ترتيبات أمنية وإدارية تخدم الرؤية الإسرائيلية لما يُسمّى “اليوم التالي”.
الاحتلال هنا لا يناور فقط على مستوى المعابر، بل على مستوى الزمن السياسي، مدركًا أن إطالة الفراغ الإداري تعني إنهاك المجتمع، وتكريس الفوضى، وخلق مبررات لاحقة لأي تدخل أو وصاية أو ترتيبات قسرية.
لكن تعليق الفشل على شماعة الاحتلال وحده لا يكتمل دون النظر إلى الداخل الفلسطيني، وتحديدًا إلى سلوك حركة حماس. فالتأخير لا ينفصل عن قرارات داخلية وتعيينات تمت في مؤسسات حيوية خلال الفترة الأخيرة، وعن مؤشرات واضحة على استمرار ما يمكن تسميته بـ“حكومة ظل” أو لجان موازية تعمل داخل المؤسسات، بما يقوّض فكرة تسليم حقيقي لمفاصل الإدارة.
هذا السلوك يعكس ترددًا سياسيًا واضحًا: رغبة في الظهور بمظهر المتجاوب مع المبادرات الوطنية، مقابل حرص شديد على عدم فقدان السيطرة الفعلية على الأرض والمؤسسات. والنتيجة هي إدارة مزدوجة، مربكة، تُفرغ اللجنة الوطنية من صلاحياتها قبل أن تبدأ.
في المحصلة، يبدو أن كلًا من إسرائيل وحماس يناور على عامل الوقت. الاحتلال يراهن على إنهاك غزة وانتظار لحظة فرض ترتيباته، وحماس تراهن على تحسين شروطها السياسية والإدارية قبل أي تسليم فعلي. أما اللجنة الوطنية، فتُترك معلّقة بين معبر مغلق وقرار داخلي متردد.
وسط هذه المناورات، تُداس الأولوية الوحيدة التي يفترض أن تكون مقدسة: معاناة الغزيين. الناس لا تنتظر لجانًا على الورق، بل إدارة حقيقية داخل غزة، تُعيد الحد الأدنى من النظام، وتفتح أفقًا للحياة بعد حرب الإبادة والدمار.
التأخير لم يعد مسألة إجرائية، بل بات موقفًا سياسيًا كامل الأركان. وكل يوم إضافي يمر دون مباشرة اللجنة عملها من داخل غزة هو يوم يُضاف إلى سجل الفشل الجماعي، لا إلى حسابات المكاسب لأي طرف.