محمد دحلان ولقاء أبو ظبي.. قراءة وطنية في دورٍ محتمل للخلاص الفلسطيني
محمد دحلان ولقاء أبو ظبي.. قراءة وطنية في دورٍ محتمل للخلاص الفلسطيني
الكوفية
في زمنٍ تتكاثر فيه المبادرات الخارجية حول فلسطين، وتشتد فيه الأسئلة القلقة عن «اليوم التالي» في غزة، جاء اللقاء الذي جمع القيادي الفلسطيني محمد دحلان برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت في أبو ظبي ليشعل نقاشًا واسعًا، تجاوز الحدث ذاته إلى ما يمثّله دحلان سياسيًا ودوره المحتمل في مرحلة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية.
بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، لا يمكن قراءة هذا اللقاء بوصفه اصطفافًا أو تنازلًا، بل كجزء من حراك سياسي إقليمي ودولي متشابك، تحاول فيه أطراف متعددة استكشاف مخارج من المأزق الفلسطيني – الإسرائيلي، بعد حرب مدمّرة كشفت هشاشة كل المسارات التقليدية. وفي هذا السياق، يبرز محمد دحلان كأحد الأسماء الفلسطينية القليلة القادرة على الحضور في هذه الدوائر، لا باعتباره ممثلًا لفصيل ضيق، بل كشخصية تمتلك شبكة علاقات إقليمية ودولية، وخبرة سياسية وأمنية، تجعل منه فاعلًا لا يمكن تجاهله في النقاشات المتعلقة بمستقبل غزة وفلسطين عمومًا.
محمد دحلان ليس اسمًا طارئًا على المشهد الوطني. هو ابن المخيم، ومن جيل المواجهة المباشرة مع الاحتلال، وأحد الذين دفعوا أثمانًا سياسية وتنظيمية باهظة في مسيرتهم. ورغم الخلافات الحادة التي أحاطت به، فإن محاولات شيطنته أو اختزاله في صورة نمطية تخدم خصومه أكثر مما تخدم الحقيقة. فالرجل ظلّ حاضرًا في الهمّ الفلسطيني، منخرطًا في دعم صمود الناس، ومشاركًا في ملفات إنسانية وإغاثية واجتماعية، لا سيما في قطاع غزة، في وقت غابت فيه مؤسسات رسمية عن القيام بدورها.
اللقاء مع أولمرت لا يمنح شرعية للاحتلال ولا يبرّئ تاريخه الدموي، بل يندرج في إطار قراءة واقعية لموازين القوى، ومحاولة استثمار أي نافذة سياسية محتملة لخدمة المصالح الفلسطينية. السياسة، في لحظات الانسداد الكبرى، لا تُدار بالشعارات وحدها، بل بالقدرة على التحدث مع الخصوم، وانتزاع ما يمكن انتزاعه، دون التفريط بالثوابت. ومن هذا المنطلق، فإن انخراط دحلان في نقاشات «اليوم التالي» لغزة يمكن أن يُقرأ كمسعى لمنع فرض حلول تُقصي الفلسطينيين، لا كجسر لتمريرها.
الحديث المتكرر عن دور إماراتي في مرحلة ما بعد الحرب، وعن إعادة إعمار غزة، يفتح بدوره سؤالًا وطنيًا مركزيًا: من الأقدر على تحويل الدعم الإقليمي إلى رافعة وطنية، لا إلى وصاية سياسية؟ وهنا، يرى كثيرون أن محمد دحلان، بما يملكه من علاقات عربية ودولية، قادر على لعب دور الوسيط القوي الذي يربط بين الاحتياجات الإنسانية العاجلة لغزة وبين متطلبات القرار الوطني الفلسطيني، شرط أن يكون ذلك ضمن رؤية جامعة لا إقصائية.
إن الخلاص الوطني الفلسطيني لن يأتي من شخص واحد، ولا من لقاء واحد، لكنه يحتاج إلى شخصيات قادرة على كسر الجمود، وفتح القنوات، وإعادة وصل ما انقطع عربيًا ودوليًا، دون الارتهان للخارج. ودحلان، بكل ما له وما عليه، يمثل أحد هذه العناوين الممكنة في مرحلة تتطلب شجاعة سياسية، ومرونة تكتيكية، وحضورًا فعّالًا في ساحات التأثير.
المطلوب اليوم ليس تصفية الحسابات الداخلية، ولا إدارة الظهر لكل مبادرة خارج الإطار التقليدي، بل نقاش وطني عقلاني حول كيفية توظيف الأدوار الفلسطينية المختلفة في معركة الخلاص الوطني. فغزة، التي دفعت الثمن الأكبر، لا تحتمل مزيدًا من الفراغ السياسي، ولا مزيدًا من القيادات الغائبة عن الفعل. وفي هذا المشهد المعقّد، يبقى محمد دحلان رقمًا صعبًا، ودوره – إن وُضع في سياق وطني جامع – قد يكون جزءًا من طريق الخروج من النفق المظلم، لا كما يُراد له أن يُصوَّر، بل كما تقتضيه مصلحة فلسطين أولًا وأخيرًا.