قرار فرنسا ضد بن غفير… هل بدأ الغرب محاصرة اليمين الإسرائيلي المتطرف؟
بقلم: شريف الهركلي
قرار فرنسا ضد بن غفير… هل بدأ الغرب محاصرة اليمين الإسرائيلي المتطرف؟
الكوفية في تطور سياسي لافت يعكس حجم التحولات المتسارعة في الموقف الأوروبي تجاه حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت فرنسا منع وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول أراضيها، عقب سلوكه الاستفزازي تجاه نشطاء “أسطول الصمود” المتجه إلى غزة.
القرار الفرنسي لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي محدود، بل رسالة سياسية مباشرة بأن بعض العواصم الأوروبية بدأت تنظر إلى رموز اليمين الإسرائيلي المتطرف باعتبارهم عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا يهدد استقرار المنطقة ويقوض ما تبقى من صورة إسرائيل داخل الغرب.
تأتي هذه الخطوة في ظل حالة غضب دولي متصاعدة تجاه سياسات حكومة الاحتلال، خاصة بعد الحرب على غزة وما رافقها من مشاهد دمار ومجازر وإنهاك إنساني غير مسبوق. فالرواية الإسرائيلية التي طالما نجحت في كسب التعاطف الغربي، بدأت تفقد تأثيرها أمام اتساع مساحة التغطية الإعلامية الدولية، وتصاعد الضغوط الشعبية والحقوقية داخل أوروبا.
ولم يعد إيتمار بن غفير يُقدَّم في الإعلام الغربي كوزير مثير للجدل فقط، بل كصورة مكثفة لمشروع سياسي قائم على التحريض والعنصرية والتصعيد الميداني. لذلك فإن قرار باريس يحمل أبعادًا رمزية تتجاوز شخص بن غفير نفسه، ليصل إلى بنية الحكومة الإسرائيلية التي باتت تضم شخصيات تدفع نحو مزيد من العنف والاستيطان والتوتر الإقليمي.
الأهم سياسيًا أن وزير الخارجية الفرنسي دعا، بالتنسيق مع إيطاليا، إلى فرض عقوبات أوروبية على بن غفير، وهو ما يشير إلى تحول تدريجي في أدوات الضغط الأوروبية من بيانات الإدانة التقليدية إلى خطوات سياسية قد تتوسع مستقبلًا لتشمل مسؤولين آخرين أو حتى ملفات اقتصادية مرتبطة بالاستيطان. كما أن الحديث المتزايد داخل بعض الدول الأوروبية عن حظر منتجات المستوطنات يعكس إدراكًا متناميًا بأن استمرار الاحتلال دون كلفة سياسية سيُبقي المنطقة رهينة الانفجار الدائم.
ويبدو أن أوروبا لم تعد تنظر إلى التطرف الإسرائيلي باعتباره شأنًا داخليًا يخص تل أبيب وحدها، بل خطرًا قد يمتد أثره إلى الداخل الأوروبي نفسه، سواء عبر تصاعد التوترات المجتمعية أو تنامي خطاب الكراهية أو تهديد الاستقرار السياسي في المنطقة المتوسطية. لذلك فإن بعض الحكومات الأوروبية بدأت تبحث عن توازن جديد بين دعم إسرائيل والحفاظ على صورتها أمام شعوبها والرأي العام العالمي.
داخل إسرائيل، يمثل القرار الفرنسي ضربة معنوية لحكومة اليمين، لأنه يكشف حجم التراجع الذي أصاب علاقاتها الدولية حتى مع الحلفاء التقليديين. كما يعزز الانقسام الداخلي الإسرائيلي بين تيار يحذر من أن سياسات التطرف تدفع إسرائيل نحو العزلة، وآخر يواصل الرهان على القوة والخطاب الشعبوي.
أما فلسطينيًا، فإن هذه التطورات تمنح الدبلوماسية الفلسطينية فرصة مهمة لإعادة توجيه البوصلة الدولية نحو جوهر القضية الفلسطينية، باعتبار أن ما يجري لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل صراع يتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان ومستقبل الاستقرار الإقليمي. غير أن نجاح الفلسطينيين في استثمار هذا التحول يبقى مرهونًا بقدرتهم على بناء خطاب وطني موحد وتحرك سياسي أكثر فاعلية على الساحة الدولية.
في المحصلة، قد لا يكون قرار فرنسا بداية قطيعة أوروبية مع إسرائيل، لكنه بالتأكيد مؤشر على أن مرحلة الحصانة السياسية المطلقة لحكومة الاحتلال بدأت تتآكل تدريجيًا. ومع استمرار سياسات اليمين الإسرائيلي المتشدد، تبدو أوروبا اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى الانتقال من دائرة القلق إلى مربع الفعل السياسي المباشر.