نشر بتاريخ: 2026/05/18 ( آخر تحديث: 2026/05/18 الساعة: 18:00 )

ثالوث الحرب والتضخم والديون يقود سوق السندات نحو تصحيح تاريخي

نشر بتاريخ: 2026/05/18 (آخر تحديث: 2026/05/18 الساعة: 18:00)

متابعات: دخلت أسواق المال العالمية في موجة عاتية من الهبوط والارتباك المتبادل، إثر موجة بيع جماعية وعنيفة ضربت أسواق السندات السيادية من نيويورك وطوكيو إلى لندن، دافعة بكلفة الاقتراض الدولي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

وتفجرت هذه الصدمة العنيفة عقب هجمات بطائرات مُسيَّرة في منطقة الخليج استهدفت منشأة للطاقة في الإمارات، وتم اعتراض أخرى في الأجواء السعودية، مما رسخ فرضية استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز الاستراتيجي، منذ اندلاع حرب الرئيس دونالد ترمب في إيران قبل نحو 3 أشهر.

وقفزت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 111 دولاراً للبرميل، وسط ذعر حقيقي يجتاح ردهات البورصات من تحول مخاوف التضخم المؤقت إلى نظام تضخمي دائم، يعيد رسم تكلفة المال عالمياً، ويهدد الاقتصادات الكبرى بالركود، مما دفع عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً للقفز إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023 عند 5.16 في المائة، بينما سجلت السندات اليابانية المماثلة قفزة تاريخية هي الأعلى في تاريخها الممتد لـ7 أعوام بتجاوزها 4.1 في المائة، في حين قفزت العوائد البريطانية إلى قمة غير مسبوقة منذ عام 1998 عند 4.63 في المائة.

ولا تقف هذه الأرقام الجافة عند حدود شاشات التداول المعقدة؛ بل إنها تترجم مباشرة إلى ضغوط يومية خانقة تمس القوة الشرائية للمواطن العادي وكلفة معيشته وقروضه الشخصية؛ إذ كشفت دراسة حديثة أعدها معهد «واتسون» بجامعة «براون» أن حرب ترمب في إيران كبَّدت الأسر الأميركية وحدها فاتورة وقود إضافية باهظة تخطت 41.5 مليار دولار (بمعدل 316 دولاراً لكل أسرة)، وهو ما يتجاوز الميزانية الكاملة المخصصة لإصلاح الجسور المتهالكة في الولايات المتحدة.

هذه التكلفة الباهظة في محطات الوقود؛ حيث قفز البنزين الأميركي بنسبة 51 في المائة ليصل إلى 4.51 دولار للغالون، تسربت سريعاً إلى أسعار الأغذية والشحن، مما دفع التضخم لأعلى مستوياته في 3 سنوات، وأجبر المستثمرين على إعادة هيكلة محافظهم عبر التخلص من السندات القديمة ذات العوائد المنخفضة، وتكبد خسائر دفترية فادحة، مدفوعين بمعادلة «المستثمر الحالي ضد المشتري الجديد»؛ فالسيولة الآن تبحث عن العوائد الجديدة المضمونة حكومياً والتي تخطت حاجز الـ5 في المائة، وهو ما سحب السيولة مباشرة من أسواق الأسهم التي باتت تقييماتها ومكرراتها متضخمة، وتنتظر هذا الأسبوع اختباراً حاسماً مع صدور النتائج المالية لعملاق أشباه الموصلات «إنفيديا»، في وقت يواجه فيه قطاع التكنولوجيا ضغطاً موازياً يُعرف بـ«تضخم الرقائق»، الناتج عن الإنفاق الملياري الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وضغطها الهائل على شبكات الطاقة العالمية ومواردها.

من تراجع البنوك المركزية إلى الديون المليارية

وإلى جانب صدمة الطاقة والذكاء الاصطناعي، يبرز التراكم التاريخي للديون السيادية كمحرك رئيسي وراء تمرد المستثمرين؛ إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الدَّين العام العالمي في طريقه للمس مائة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، بينما يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن تدفع التخفيضات الضريبية لترمب بالدين الأميركي إلى 120 في المائة خلال عقد، متجاوزاً مستويات الحرب العالمية الثانية.

هذا الإسراف المالي، مضافاً إليه إعلان رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي عن موازنة إضافية لمواجهة الغلاء، يدفع ما يُعرف بـ«حرَّاس السندات» إلى المطالبة بعلاوة مخاطر تضخمية أعلى، مجبرين الحكومات على دفع كلفة تمويل باهظة؛ خصوصاً في ظل المؤشرات السياسية المتوترة التي تواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وتلمح نحو تيسير مالي غير مدروس.

كذلك، بدت البنوك المركزية كأنها تفقد السيطرة على كبح التضخم؛ فبعد أن كانت الأسواق تتوقع في فبراير (شباط) الماضي خفضين للفائدة، باتت الرهانات الآن تسعِّر رفعاً إلزامياً للفائدة الأميركية بحلول مارس (آذار) 2027، وسط ضغوط متزايدة على حاكم «الفيدرالي» القادم كيفين وارش، وتوقعات برفع وشيك للفائدة من بنك اليابان، و«المركزي الأوروبي» في يونيو (حزيران) المقبل لصد التضخم المستورد، مما أفقد السندات القديمة جاذبيتها تماماً؛ خصوصاً مع انسحاب البنوك المركزية من برامج التيسير الكمي ووقف شراء الديون الحكومية.

ويقفز الزخم غير المتوقع للاقتصاد الأميركي في نمو الوظائف ليعزز الضغوط التضخمية، مدفوعاً بـعوامل بنيوية طويلة الأجل تلخصها بحوث «أليانز» في التغير الديموغرافي لشيخوخة السكان، وتراجع العولمة لصالح سلاسل التوريد المحلية، وتكلفة التحول نحو الطاقة الخضراء.

وتأسيساً على هذا المشهد المعقد، يلتئم شمل وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع في العاصمة الفرنسية باريس، في محاولة صعبة لتنسيق المواقف، واحتواء تقلبات أسواق الدين، وتأمين سلاسل التوريد للمعادن النادرة بعيداً عن الهيمنة الصينية، وذلك في أعقاب قمة بكين بين ترمب وشي جينبينغ، والتي لم تسفر عن اختراقات اقتصادية حقيقية.

ورغم محاولات وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لتلطيف الأجواء، بوصف ما يحدث بأنه «تصحيح حاد وليس انهياراً»، فإن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعترفت بصراحة بقلقها المستمر، في حين دعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا الحكومات لعدم اتخاذ إجراءات تزيد الوضع سوءاً.

وتكشف الكواليس التحضيرية في باريس عن انقسامات حادة وتلاوم بين الحلفاء حول «الاختلالات الهيكلية غير المستدامة» للنظام الدولي؛ حيث يرى الجانب الأوروبي أن الأزمة تكمن في نمط ممتد منذ 10 سنوات يستهلك فيه العالم بشكل مشوه، تقوده الولايات المتحدة بالإفراط في الاستهلاك والديون، والصين بالإفراط في الإنتاج وضعف الاستهلاك المحلي، وأوروبا بضعف الاستثمار، وهو الواقع الهيكلي المعقد الذي أثبتت أسواق السندات اليوم أنه لم يعد قابلاً للاستمرار دون دفع ثمن باهظ يتجلى في قفزة سريعة لأسعار الفائدة التجارية، وبطاقات الائتمان، والرهون العقارية التي باتت تهدد النمو العالمي بأسره.

في المحصلة، يبعث الارتجاج العنيف في أسواق الدين العالمية برسالة بالغة الوضوح تتجاوز مجرد التذبذبات اليومية لشاشات التداول؛ ومفادها أن عصر الأموال الرخيصة والفائدة الصفرية الذي غذَّى الأسواق لسنوات قد ولَّى إلى غير رجعة. واليوم، تقف القوى الاقتصادية الكبرى، ومعها المستثمر والمستهلك العادي، أمام واقع مالي جديد يُعاد فيه تسعير المخاطر وكلفة الائتمان بناءً على معادلات جيوسياسية ملتهبة وخزان عام مثقل بالديون.

وبينما يترقب العالم ما ستُسفر عنه اجتماعات باريس وقرارات البنوك المركزية المرتقبة، تظل حقيقة واحدة ثابتة: أن ضبط إيقاع التضخم وتأمين سلاسل الإمداد سيكلِّف الاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً، وأن شفرة السندات المشتعلة باتت هي المحدد الأول لمعالم المعيشة والاستثمار في المرحلة المقبلة.