نكبة الخيام.. من تهجير 1948 إلى خيام الإبادة في غزة 2023.. مأساة فلسطينية تتكرر بأدوات مختلفة
عمار البشيتي
نكبة الخيام.. من تهجير 1948 إلى خيام الإبادة في غزة 2023.. مأساة فلسطينية تتكرر بأدوات مختلفة
الكوفية لم تكن الخيمة في الوعي الفلسطيني مجرد مأوى مؤقت، بل تحولت عبر العقود إلى رمز دائم للنكبة والاقتلاع والانتظار الطويل. فمنذ نكبة عام النكبة الفلسطينية 1948، حين هُجّر مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم تحت وقع المجازر والحرب، ارتفعت الخيام في المنافي ومخيمات اللجوء كشاهد أول على مأساة شعب اقتُلع من أرضه.
يومها ظن الفلسطينيون أن الإقامة في الخيمة لن تتجاوز أياماً أو أسابيع، لكن الخيمة تحولت إلى عنوان لحياة كاملة، وإلى ذاكرة جماعية ورثتها الأجيال.
بعد 78 عاماً، يعود المشهد ذاته بصورة أكثر قسوة في قطاع غزة، لكن هذه المرة تحت نيران حرب مدمرة شنتها "إسرائيل" في أكتوبر 2023.
مئات آلاف العائلات الفلسطينية وجدت نفسها مجدداً في خيام النزوح، بعد تدمير منازلها وأحيائها بالكامل، لتتكرر صورة التشرد ذاتها: أطفال يولدون داخل الخيام، عائلات فقدت بيوتها، وأجيال جديدة تعيش مرارة التهجير القسري. الفارق الوحيد أن خيام 1948 نُصبت بعد الطرد، أما خيام 2023 فأقيمت وسط القصف والجوع والخوف.
في نكبة 1948، كان التهجير بداية تشكل قضية اللاجئين الفلسطينيين التي ما زالت مفتوحة حتى اليوم، حيث يعيش الملايين داخل المخيمات في الشتات.
أما نكبة غزة 2023، فقد أعادت إنتاج الجرح نفسه داخل الوطن، حين أصبح الفلسطيني نازحاً داخل أرضه، ينتقل من خيمة إلى أخرى بحثاً عن الأمان المفقود.
وبين النكبتين، بقيت المعاناة ذاتها: فقدان البيت وضياع العائلة، انكسار الأمان، وذاكرة لا تتوقف عن استدعاء الألم.
تداعيات النكبتين لم تكن إنسانية فقط، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للشعب الفلسطيني، فجيل 1948 ورث أبناءه حكايات المفاتيح والبيوت المهدمة، بينما يورث جيل غزة اليوم أبناءه صور الدمار والخيام والقتل والحرمان.
وبين الماضي والحاضر، تتبدل الأزمنة وتختلف الأدوات، لكن الحقيقة المؤلمة تبقى واحدة: الفلسطيني ما زال يعيش نكبته، والخيمة ما زالت عنواناً مفتوحاً للوجع والانتظار.
ومن خيام نكبة النكبة الفلسطينية 1948 وخيام حرب غزة 2023، يبقى السؤال الفلسطيني مفتوحاً على وجعٍ لا ينتهي: إلى متى سيبقى الفلسطيني لاجئاً ومشرّداً، يهرب من الموت إلى خيمة، ومن قصف إلى نزوح، فيما يطارده الفقد من جيل إلى جيل؟
إلى متى ستظل الخيمة عنواناً لحياته، بدل أن يكون له بيتٌ آمن ووطنٌ يحتضنه؟ وهل كُتب على الفلسطيني أن يبقى شاهداً أبدياً على نكبته، يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويورّث أبناءه وجع اللجوء بدل أحلام الوطن والحرية والاستقرار؟