الصين في انتظار «جودو» الأميركي
رجب أبو سرية
الصين في انتظار «جودو» الأميركي
في «زحمة» تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخاصة بالحرب على إيران، مرّ دونما اهتمام إعلانه الخاص بزيارته إلى الصين، وذلك يومي الرابع عشر والخامس عشر من أيار القادم، هذه الزيارة التي كانت مقررة أصلا خلال الفترة ما بين 31 آذار و2 نيسان الحالي، لكن عدم الاهتمام بذلك الموعد، مع أن الزيارة نفسها على غاية الأهمية، جعل من مروره حدثا عابرا لم يثر الاهتمام الإعلامي، ورغم أن السبب له علاقة بالحرب التي كانت حامية في تلك الفترة، إلا أن مواصلة عدم الاهتمام حتى بإعلان ترامب الأخير الخاص بالزيارة، توحي بأن أطرافها، خاصة الجانب الأميركي، ليس واثقا حتى مع الإعلان الأخير بأن الزيارة ستتم، وكل ما أثارته الزيارة من اهتمام كان تعقيب المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، من أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يتفهم دوافع واشنطن لتغيير موعد الزيارة.
أما لماذا زيارة ترامب إلى الصين على درجة قصوى من الأهمية، فذلك يعود لأسباب عديدة، أولها أنها ستكون الزيارة الثانية لترامب بعد زيارته بكين العام 2017، أي بعد عام من دخوله البيت الأبيض في ولايته السابقة، التي بدأها بتوتير العلاقة مع كوريا الشمالية، للضغط على الصين بالدرجة الأولى، فكوريا الشمالية تعتمد اقتصاديا بنسبة 90% على الصين، وبعد أن تصدّى كيم جونغ أون لتنمّر ترامب في ذلك الوقت، ذهب إلى الصين، لعقد «الديل» الاقتصادي، ومعروف بأن الولايات المتحدة ومنذ ولاية ترامب الأولى، مرورا بولاية بايدن، تحاول أن «تحجّم» طموحات الصين الاقتصادية وهذه أولوية ترامب الجمهوري، وطموحات روسيا السياسية، وكانت هذه أولوية بايدن، لأن الدولتين، تسعيان منذ وقت لتغيير النظام العالمي الأميركي إلى نظام آخر، لا تتحكم فيه أميركا بشكل أحادي أو منفرد بالعالم.
الغريب في الأمر هو أن «الديمقراطي» الأميركي عبر بايدن، بدا وكأنه يميل أكثر من الجمهوري إلى استخدام القوة العسكرية، لذلك دفع الأمور إلى الحرب في الجبهة الروسية ــ الأوكرانية، وساند إسرائيل في حرب إبادتها الجماعية على غزة، وعلى لبنان وصولا إلى اليمن، لكنه لم يشارك إسرائيل بخوض الحرب بشكل مباشر، بل منعها من شن حرب مفتوحة على إيران، خشية من اشتعال حرب إقليمية في الشرق الأوسط، وخسر انتخابات الرئاسة العام 2024، حاملا معه ذلك الإنجاز، أما ترامب الجمهوري، فقد أشبع الدنيا كلاما عن السلام، وعن تفضيله الصفقات التجارية، بل كان برنامجه الانتخابي هو «إطفاء» الحروب، لدرجة أنه رأى في نفسه رجلا يستحق «نوبل»، لكنه رغم ذلك، لم يمنح إسرائيل الضوء الأخضر بشن حرب مباشرة على إيران فقط، بل شاركها تلك الحرب، إن كان عبر الضربة الخاطفة في حزيران 2025، أو في الحرب الجوية التي استمرت أربعين يوما منذ شهرين، وما زال خطر العودة لها قائما، أو مرجحا.
وفي الحالتين، لم تحقق أميركا ما هو مرجو من شن الحرب في شرق أوروبا وفي الشرق الأوسط، إن كان بالوكالة الأوكرانية، أو بالشراكة مع إسرائيل، وفي حرب أوكرانيا، خسرت نحو 120 مليار ما بين عتاد عسكري ودعم مالي، وبناء على ذلك يطالب ترامب أوكرانيا بنصف ثروتها، أي بنحو 500 مليار دولار، أما في الحرب مع إيران فقد تجاوزت خسائر أميركا 60 مليارا خلال 55 يوما فقط، أي نصف ما صرفته على الحرب الروسية ــ الأوكرانية، دون حساب الخسائر غير المباشرة، أو تلك التي قدمتها لإسرائيل والتي بلغت 21,7 مليار دولار، كل هذه الأموال من جيوب دافعي الضرائب، أي الناخبين، والأهم أن أهميتها تكمن في أنها تأتي في ظل صراع اقتصادي أصلا مع الصين.
هذا يعني بكل بساطة بأن أميركا تغامر وتقامر، من أجل الحفاظ على النظام العالمي الحالي، وبالطبع بالنسبة للمقامر، لا قيمة للخسائر في حال ربح المقامرة، لكن في حال خسرها، فإن الخسارة تكون مضاعفة تماما، لأن أميركا في هذه الحالة، تهدف إلى الإبقاء على النظام العالمي الحالي، من خلال شن هذه الحروب، وهذا يتطلب تحقيق أمرين، الأول، أن تنتهي الحروب بسرعة، لأن استمرارها يبقي الاقتصاد الأميركي في حالة استنزاف، وهو يواجه اقتصادا صينيا لا يتوقف عن النمو، والأمر الثاني، هو أن تنتصر أميركا في الحرب، وفيما يخص الأمر الأول، يمكن القول بكل ثقة، إن أميركا فشلت في تحقيق أهداف الحرب بسرعة سواء في شرق أوروبا أو في الشرق الأوسط، ومع ترامب، تأكد إلى حد كبير بأن روسيا قد ربحت الحرب، وأن أميركا تحاول أن تتقاسم كعكة أوكرانيا مع روسيا، لا أقل ولا أكثر.
أما في الشرق الأوسط، فما زالت الحرب مستمرة، وكلما طال أمدها، «غرقت» أميركا عسكريا فيها، والأهم زاد العبء على اقتصادها، من أكثر من زاوية، خاصة وهي في سباق مع الصين، لذك فإن ترامب تجاوز موعد زيارته إلى الصين، لتكون الزيارة بعد حربه مع إيران، على أمل أن يضع «ايران» في جيبه وهو ذاهب إلى بكين، وهو يعرف بأن نقطة ضعف الصين الاقتصادية، هي حاجتها للطاقة، أي النفط والغاز، اللذين تستوردهما بشكل رئيس من روسيا ودول الخليج: السعودية وإيران والعراق، ولو حدث هذا، فإنه سيفاوض شي جين بينغ، من موقع القوي، الذي يمكنه أن يمنحه مكانة خاصة في نظامه العالمي، مقابل، أن يوافقه على السيطرة على الآخرين، أو أن يفاوضه على قبول المكانة الثانية مقابل المكانة الأولى، مثلا، أو مقايضة الاقتصاد بالسياسة، وما إلى ذلك، لكن أن يذهب ترامب إلى بكين، وهو مجرد من أوراق القوة، فهو بلا حلفاء، لا أوروبيين، ولا حتى جيرانه في أميركا الشمالية والوسطى، وحتى كوريا الجنوبية واليابان، اللتين تحركتا بمعزل عن أميركا، فيما يخص المرور عبر مضيق هرمز.
من الواضح، إذاً، أن الصين، التي ساندت روسيا سياسيا واقتصاديا في حربها مع الغرب، باستيراد نفطها، حين أغلقت أوروبا خطوط إمداده خلال أعوام 2022ــ 2024، فيما ساندت إيران وكوريا الشمالية روسيا عسكريا، كذلك الصين التي ساندت إيران مع روسيا سياسيا، في إحباط مشاريع قرارات البحرين ومجموعة دول الخليج في مجلس الأمن خلال حرب الأربعين يوما، ليست غائبة عن المشهد، لا في أوروبا الشرقية ولا في الشرق الأوسط، لكنها تتابع وتتدخل بهدوء، ودون صخب، لأنها ليست تحت الضغط كما هو حال أميركا، فلا هي طرف مباشر في الحربين، ولا حتى أنها تخسر أموالا مقابل دعم حلفائها، فحليفاها الروسي والإيراني يقومان بالمهمة على أكمل وجه، لذلك فإن الصين لا مشكلة لديها، على الإطلاق في انتظار دونالد ترامب، وأي رئيس أميركي آخر، في أي وقت، وهي ليست في عجلة من أمرها، فكلما تأخر مجيء الرئيس الأميركي، باتت بكين في موقع تفاوضي أفضل.
هناك أدلة أخرى، ترجح بأن شمس أميركا تغيب، فيما قمر الصين قادم في الطريق، فترامب الذي «انتابه حلم إبليس» بجائزة نوبل، حصل عليها بشكل غير قانوني من صاحبتها ماريا كورينا ماتشادو، على أمل أن يكافئها بمنحها منصب الرئيس بعد اختطافه الرئيس نيكولاس مادورو، لكنه بالطبع لم يفعل، بالمقابل، فإن زعيمة المعارضة التايوانية تشنغ لي وون، زارت بكين بدلا من ترامب وذلك يوم السابع من نيسان الجاري، وهي زيارة في غاية الأهمية، لأن هناك احتمالا كبيرا، بأن تستغل الصين انشغال أميركا والعالم بحرب أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، وتحسم مسألة ضم تايوان، وهذا ممكن في حال استمرت الأمور على هذا الشكل إلى العام 2028، حيث موعد انتخابات تايوان الرئاسية والبرلمانية، كما هو موعد خروج ترامب من البيت الأبيض، الذي سيترافق بفوز متوقع للحزب الديمقراطي مع تعزيز نفوذ الجناح الاشتراكي داخل الحزب، مع انسحاب أميركي من الشرق الأوسط، وفك شراكتها مع إسرائيل.
وما يشجع على هذا، هو التقارير التي تشير إلى أن مخزون أميركا من الصواريخ الإستراتيجية، قد نفد إلى حد ما في حربها مع إيران، والأهم أن القوة الأميركية ظهرت كقوة تقليدية شائخة، مصممة على «مقاس الحرب الباردة» بحيث عجزت أمام قوة إيران، فماذا سيكون حالها أمام الصين مثلا، والأهم من مضيق هرمز، هو بحر الصين الجنوبي، حيث تمر أكثر من ثلث الملاحة البحرية العالمية، وفي حال أن الصين ضمت تايوان، وعقدت تفاهمات مع كوريا واليابان، مع سيطرة إيران على هرمز، واليمن على باب المندب، ليزيد الضغط الاقتصادي على أميركا، التي قد تواجه أيضا ملف قواعدها العسكرية، بعد أن فتح هذا الملف في حربها مع ايران، حينها يقول العالم «وداعا أميركا»، بينما تضطر إسرائيل لقبول حل الدولتين من أجل بقائها.