خيارات غزة بعد الاستعصاء ..!
أكرم عطا الله
خيارات غزة بعد الاستعصاء ..!
الكوفية فهم حركة حماس للمرحلة الحالية يشبه فهمها لتحرير فلسطين بنظرية وعد الآخرة الذي أدى لاحتلال غزة وضرب محور المقاومة بقوة بحيث يحتاج لسنوات طويلة لترميم ذاته بعد أن فقد قوة الردع وبات يريد فقط وقف الحرب على كل الجبهات ... وهنا مأزق الحركة في فهمها للراهن أنها أقدمت على عمل انتحاري فشلت فيه لكنها تصر على هندسة مسرح العملية بعدها.
وفي فهمها لإدارة السياسة والسلاح ما يرغم الشعب الفلسطيني على دفع أعلى التكاليف دون نتائج إلا المزيد من الخيبات التي تتجسد أمامنا في غزة بإلقاء شعب نازف في العراء.
لا تستطيع حركة حماس التخلي عن السلاح، ولا يحتاج هذا إلى معلومات خاصة بقدر فهم أن الحركة نشأت بالسلاح فإن تسليمها للسلاح يعني إشهار الإفلاس وهو ما لا يمكن لكنها لم تفهم في ذات السياق أن المطروح هو أحد منتجات الهزيمة واستحقاقاتها الطبيعية.
فالسياسة هي فعل السلاح وحين ينكسر يقتحم العدو الحدود ويستولي على الأرض ولا يبقى سوى التسليم بالنتائج، ودون ذلك يعني الانفصال التام عن الواقع وهو ما يجد تفسيره لدى أطباء النفس وليس مشتغلي السياسة.
غزة ليست كإيران، فالأخيرة دولة مفتوحة ولها حدودها البرية والبحرية ولها علاقاتها الدولية وتستورد السلاح وبإمكانها خوض معاركها، لكن غزة الصغيرة والفقيرة التي يتحكم الاحتلال في معابرها ومائها وهوائها شيء آخر ولكل تجربة فرادتها.
وجزء من أزمة العقل العربي هو استسهال تقليد التجارب ليُمنى بتلك الخسائر، وهناك خشية أن تعتقد حماس أن نتائج الحرب في إيران وعدم سقوط النظام يؤهلها لاستعادة المبادرة والبقاء بعد أن بدت وهي توافق على خطة ترامب بأنها وصلت أخيراً بعد عامين ونصف للحظة إدراك الواقع وتوازناته وموازينه ومراكز قواه.
المطلوب بناء على خطة ترامب المدعومة أوروبياً وعربياً بمن فيهم أصدقاء حماس (قطر وتركيا) هو إنهاء وجودها العسكري والإداري والمدني والخروج من المشهد، وعنوان ذلك تسليم السلاح الذي ألهمها القيام بعمليتها يوم السابع من أكتوبر لتجر هذا الحريق الكبير في الإقليم وسحق غزة والضاحية وتدمير هائل في لبنان وإيران، والكارثة أنها عبثت بتوازنات القوة في الإقليم لتضعف محورها الذي وثق بها معتقداً أنها لن تقوم بأي عمل متهور دون تنسيق.
وبعد كل هذا تجري مفاوضات القاهرة لتقدم حماس شروطها كأنها تملك أي أوراق قوة يمكن أن ترفعها أمام ميلادينوف أو إسرائيل أو حتى تقنع فيها الوسطاء بجدارة وجودها وإمكانيات قوتها بعد أن تسببت بالخراب الكبير وفقدت كل شيء، وتسببت باستدعاء الإسرائيلي لغزة وأن كل طموحها بات ينصب على انسحابه من مناطق لم يكن فيها قبل العملية.
وبفهمي للعقل الإسرائيلي فغزة بالنسبة له القصة الأولى وهي تختلف عن لبنان وإيران اللتين لم تبادرا بالتحرش، فقد تمكن من إقناع الإسرائيليين والعالم بأن «هولوكوست» ارتكبت، وهذا الفهم يستدعي إزالة تامة للفاعل وهو ما جاء نصاً في خطة ترامب. والذي لم تفهمه حماس حتى الآن وتأخرها بفهم ذلك سيلقي بظلاله على الغزيين الذين باتوا يشعرون أن وجود الحركة بات عبئاً بعد أن أرغمهم فعلها على دفع كل هذه الكلفة وأن عدم إدراكها يعني مزيداً من الثمن إذ يعرف الغزيون أنها تفعل كل شيء من أجل البقاء، هذا البقاء الذي لا يعنيهم بشيء سوى خدمة كتلة معينة هي بنظرهم لم تعد مؤتمنة لا على الأرواح ولا على الممتلكات بعد التجربة.
غزة المنكسرة ليس لديها ترف الخيارات، فهي ككل المهزومين عبر التاريخ بسبب جهل إدارة القوة تقف أمام ثلاثة خيارات: إما أن تخرج حماس من المشهد كما هو منصوص عليه وتترك الأمر كرمى لأهل غزة، فوجودها لن يعدل به شيء ولن يؤثر إيجاباً أو يحدث تغييراً لصالح الغزيين بل سيضيف مزيداً من المعاناة والعذاب الإنساني والسياسي أيضاً، أو أن يقوم الإسرائيلي بذريعة «عتاد «حماس باستئناف حربه على غزة لتجريدها بالقوة من السلاح بالشكل الذي أبلغت به حركة حماس في القاهرة من أن ترامب سيسمح لنتنياهو بإكمال الحرب ودفع الناس للذهاب للمنطقة الشرقية التي تسيطر عليها إسرائيل واجتياح الغرب بعد أن تكون منعت عنه الغذاء والمساعدات وجففت المكان.
سيناريو مخيف بدأ يطل في الأيام الأخيرة نشره إلياهو بن آشر عن المجموعة الإستراتيجية لليكود يقول فيه: «إن حماس لا ترغب في القضاء عليها ونحن لا نرغب بالانسحاب من الخط الأصفر، إسرائيل قادرة على احتلال القطاع لكن عندها ستضطر للمضي في خطة ترامب لذلك تفضل تقليم حماس من الجو وترسيخ الخط الأصفر كحدود دائمة بدلاً من هزيمة حماس ثم الحصول على سلطة فلسطينية ثم يقول نصاً «لا أستطيع القول إن هذا وضع مأساوي، من وجهة نظري:
1- نحن نسيطر على ثلثي مساحة القطاع بما في ذلك المعابر وكل ما يقع ضمن سيطرتنا تتم تسويته بالأرض والخط الأصفر يتقدم تدريجياً.
2- العالم يعتاد على وجود حدود فعلية والحياة تستمر.
3- لا يوجد أي إعادة إعمار حقيقية في غزة لأن حماس لا تزال تسيطر.
4- أفق الهجرة من غزة مفتوح من حيث المبدأ ودافع الهجرة مرتفع.
هذا الأخير سيناريو الممكن إسرائيلياً أيضاً استمرار حماس يقابله استمرار السيطرة واستمرار نزيف سكان غزة. هذا مثالي لإسرائيل فماذا بالنسبة لحماس ؟
ومع ذلك هل يمكن لنتنياهو القبول بهذا والذهاب للانتخابات دون استكمال تجريد السلاح بالقوة ؟ أي عودة الحرب ...!
نقلاً عن الأيام...