نشر بتاريخ: 2026/04/08 ( آخر تحديث: 2026/04/08 الساعة: 12:21 )
أشرف العجرمي

ماذا لو توقفت الحرب على إيران؟

نشر بتاريخ: 2026/04/08 (آخر تحديث: 2026/04/08 الساعة: 12:21)

لم يتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أسوأ أحلامه أن يعلق في وضع لا يستطيع فيه أن يتخذ قراراً بشأنه، لا بالتوقف ولا بالاستمرار كما هو وضع الحرب مع إيران. فالفرضية التي شنت أميركا وإسرائيل على أساسها الحرب كانت أنه في خلال بضعة أسابيع سينهار النظام في إيران ويتحقق للولايات المتحدة وإسرائيل ما كانتا تحلمان به. فالرئيس ترامب توقع أن يأتي نظام جديد في إيران على غرار فنزويلا يكون موالياً له ويمنحه سيطرة على النفط والغاز والموارد الإيرانية بصفقة مثالية. وبنيامين نتنياهو توقع أن يسجل أهم انتصار لإسرائيل بالتخلص من التهديد الإيراني سواء النووي أو الصاروخي ليبقي إسرائيل متفوقةً ومتفردة بأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ويحفظ تطورها لفترات طويلة قادمة. وعندها يمكنه أن يدّعي بحق أنه غيّر الشرق الأوسط. وقد تذهب إسرائيل بعدها لمغامرات أو مخططات لإضعاف الجيش المصري باعتباره من أقوى الجيوش في المنطقة، غير أن «حساب الحقل ليس كحساب البيدر».

الحرب طالت أكثر من المتوقع، ولا يبدو في الأفق أي انهيار للنظام الإيراني، بل على العكس هو متماسك ومسيطر بشكل كبير ويدير الأمور بصورة تحرج إسرائيل والولايات المتحدة اللتين وضعتا أهدافاً لم يتحقق أي منها بشكل قاطع: فلا تم إسقاط النظام الذي أضحى هدفاً غير واقعي تماماً، ولا تم القضاء على القدرة الصاروخية الإيرانية، فلا تزال إيران تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ رغم ادعاء ترامب ونتنياهو بأنه قد تم تدمير أكثر من 80% وأحياناً 90% من الصواريخ الإيرانية. ويشير تقرير استخباري أميركي أن إيران لا تزال تمتلك ما يقرب من نصف مخزونها، وان ما تم تدميره لا يتجاوز 50% من الصواريخ. ولم يتم الاستيلاء على اليورانيوم المخصب لدرجة 60% والذي يؤهل إيران لصنع قنابل نووية بسرعة. كما لم يتم تحديد حجم الضرر في قدرات إيران في هذا المجال حتى مع قصف مفاعلات التخصيب والماء الثقيل وإنتاج الطاقة. ولم يحدث ان تخلت إيران عن أذرعها الخارجية، بدليل أن «حزب الله» يخوض الحرب بشراسة وبشكل منسق تماماً مع إيران حتى في توقيتات القصف.

أي وقف للحرب الآن دون تحقيق هذه الأهداف أو على الأقل الأهداف الثاني والثالث والرابع بصورة ملموسة سيُعتبر انتصاراً لإيران. ومن الواضح أن النظام الإيراني يعتبر أن الحفاظ على البرنامج الصاروخي وامتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم هما خشبة الإنقاذ لمنع الاستسلام والانهيار التام للنظام. وبالتالي الحرب هي في جزء كبير منها على البقاء أكثر منها على بعض الشروط. ولا يمكن لإيران أن تتنازل عن قواعد شبيهة بالاتفاق السابق الذي تم عقده مع الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2015 في مجموعة (5+1) والذي ألغاه ترامب في ولايته الأولى بضغط من إسرائيل في العام 2018. وما يمكن أن تقبل به إيران ليس بعيداً عن هذا الاتفاق، بمعنى أن يبقي برنامجها النووي قائماً تحت رقابة دولية وربما يضع يعض القيود على مدى الصواريخ، ويقلل مستوى التدخل الإيراني في دول الإقليم. ولكن مقابل رفع العقوبات والحصول على الأموال المجمدة وربما بعض التعويض، وفي هذه الحالة ستكون أميركا وإسرائيل مهزومتين.

الخيار الثاني أمام ترامب هو ما أعلن عنه وهو تدمير البنية التحتية المدنية في إيران من محطات طاقة وجسور ومنشآت صناعية وغيرها. وهذا سيجر رد فعل إيرانياً يشمل منشآت الطاقة والمياه وبنى تحتية في دول الجوار. وهذا عملياً يؤدي إلى أزمة دولية كبيرة ستؤثر على كل العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، وستؤدي لخسارة ترامب والجمهوريين الانتخابات النصفية للكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، ما سيقيّد ترامب ويحوّل حكمه إلى صعب ومعقد. كما سيضعف أميركا دولياً ويفتت أو يوهن تحالفاتها التي باتت متضعضعة بسبب سياسته، سواء تجاه أوكرانيا بتحميل أوروبا عبء الحرب والتخلي عنها، أو بسبب الحرب الحالية التي زادت من العبء الاقتصادي كثيراً على الأوروبيين وكل حلفاء أميركا في العالم. وهذا الخيار بطبيعة الحال هو ما ترغب إسرائيل فيه، فنتنياهو يريد استمرار الحرب وعلى الأقل الوصول لمستوى استسلام إيران أو تدميرها بصورة تامة، فهذا يخدمه انتخابياً من وجهة نظره.

وقْف الحرب يمثل أقل الخسائر لكل الأطراف ماعدا للفلسطينيين. فلو توقفت الحرب سيتوجه نتنياهو إلى غزة، وبالمناسبة تتحدث حكومته صراحة أن إسرائيل منشغلة في الحرب مع إيران وأن موضوع غزة سيعود لبؤرة التركيز والاهتمام فور انتهاء الحرب. والعنوان الأبرز سيكون نزع سلاح «حماس» إما بالاتفاق أو بالقوة. ومن التصريحات والمواقف التي يكررها قادة «حماس» أنهم ليسوا في وارد الموافقة على نزع السلاح الخفيف. وستتشجع «حماس» إذا ما انتهت الحرب بعدم استسلام إيران وبشروطها ولو ليست كاملة. عندها ستتصلب في مواقفها وهذا عملياً ما تريده إسرائيل. وغالباً ستذهب الأمور نحو التصعيد في غزة وستكرس إسرائيل تقسيم غزة إلى جزأين حسب الخط الأصفر الذي تعمل إسرائيل الآن وعلى قدم وساق نحو تحويله إلى جدار فاصل. وهكذا سيبقى موضوع التهجير قائماً وحياً بانتظار فرص استقبال الفلسطينيين في أي دولة أو التهجير بشكل مستمر بدفعات صغيرة كما يجري اليوم. والموضوع الآن وبعد الحرب مرتبط بموقف «حماس» هل تنحاز لنفسها فقط بأي ثمن، أم تنحاز للشعب وتتخلى عن الحكم فعلياً؟