لست صياد وقف معركة... وهدنة مستعجلة
د.سامي محمد الأخرس
لست صياد وقف معركة... وهدنة مستعجلة
الكوفية شهر ونيف من حرب بلا عنوان، إلا الهيمنة على المنطقة بأكملها، وتحقيق قوة ردع شاملة للكيان الصهيوني في الإقليم، ورغم صمود واستمرار إيران ومحورها في المعركة بتكتيكات عسكرية، حققت لها أهداف معينة، منها إطالة أمد المعركة، وإستنزاف صبر الجبهة الإسرائيلية الداخلية، للحد من الخسائر السياسية الإيرانية، رغم الخسائر الكبيرة جدا على مستوى قوتها العسكرية، وبنيتها الداخلية، وإقتصادها، وقيادتها، إلا إنه يمكن القول أن الدولة العميقة انتصرت، واستطاعت إدارة المعركة، وفق رؤية وتكتيكات الحد من الإنهيار، وهو الرهان والسلاح الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في هذه الحرب، على غرار رهانها في حروبها السابقة سواء في افغانستان، أو في العراق، وكذلك تجربة الكيان في لبنان، ولكنه رهان لم يحقق مفاعيله مع إيران، فكانت النتيجة إعلان وقف إطلاق نار سيؤدي حتما لإتفاق نهائي.
بغض النظر عن شروط الإتفاق أو مداخليه، أو بنوده،ولكن يعتبر ذكاء ومرونة سياسية، وإدارة معركة ناجح جدا لإيران، ونصر لها على الصعيد السياسي بكل تأكيد، بما أنها خرجت كدولة تقف على قدميها بقوة، وحافظت على وحدة جغرافيتها، ووحدة كيانها السياسي، دون أن تمنح اعدائها نصرا، وإن كان ظاهريا أمام الشعبين الأمريكي والإسرائيلي، وهو أحد ركائز الذكاء الإيراني في التعاطي مع الواقع السياسي، ومعطيات الليونة السياسية إدراكا منها، وتقديرا لحجم وقوة أعدائها، وكذلك قدراتها وإمكانياتها على الصمود عسكريا.
نجحت إيران في الضغط بالميدان، كما أسلفنا في مقالات سابقة، بالحفاظ على توازن الرد، وتوازن إدارة المعركة على كل الجبهات، والتوازن في تحريك بعض قوى المحور، واللعب بالأوراق التي تمتلكها، وخاصة ورقة مضيق هرمز.
إعلان الرئيس الأمريكي لوقف إطلاق النار، لم يكن بأي حال من الأحوال فقط وليد خضوع إيران لإشتراطاته، واشتراطات دولة الكيان، بقدر ما هو فض إشتباك من مأزق لكلا الدولتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، ووقف لتكتبكات إيران في إدارة المعركة، فمع إعلان وقف إطلاق النار، والصواريخ الإيرانية تضرب كل الجبهات بما فيها جبهة الكيان الصهيوني، رغم عنجهية تصريحات رئيس الولايات المتحدة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بالقضاء على قدرات إيران العسكرية منذ اليوم الثاني للمعركة.
سباسيا، وعسكريا، لا أعتقد من الأهمية هنا، تناول بنود الإتفاق أو إشتراطاته، في ظل مقاييس المواجهة، والأهداف التي أعلن عنها سابقا، الأهمية التي تنتج أو نتجت عن هذه المعركة أو هذا الإتفاق هو انتصار الدولة العميقة في إيران، وثباتها الشعبي، والسياسي، رغم ما تعرضت له من عمل عسكري، وعمل استخباراتي معقد جدا، ومن قوة نيران كبيرة جدا، كانت كفيلة بسقوط اقوى الدول، واعتى الجيوش.
البرنامج النووي الإيراني، وإن كان مفصليا في هذه الحرب، كأحد أهم الأهداف المعلنة وغير المعلنة للحرب، فهو أحد ركائز المفاوضات، وبكل تأكيد تم التطرق إليه على طاولة المفاوضات، وربما كان هو الرئيسي في عملية التفاوض، وبكل تأكيد وضعت بنود وشروط إن لم تنهيه، الكل تأكيد قد حجمته، أو وضعت له شروط معينة، كبلت حرية إيران النووية مستقبلا، وهذا متوقع بل مؤكد، وخاصة أن الكيان الصهيوني، لن يمرر إتفاق دون ذلك، حتى لا يخرج عاريا منهزما أمام جبهته الداخلية التي شكلت أهم عوامل الضغط، والضعف لهذا الكيان منذ نشأته.
مضيق هرمز، نقطة حيوية أخرى، من نقاط وأسس، ومرتكزات المعركة، وبكل تأكيد تم صياغة إتفاق وقف النار ضمن تفاهمات معينة، وهو الورقة الأقوى بيد إيران، ونقطة ضعف للولايات المتحدة الامريكية، وبكل تأكيد أن هذا الأتفاق حافظت فيه إيران على ثابت أو ثوابت معينة، لأنه كان أهم أسلحتها في المعركة، وأهميته تفوقت على أهمية البرنامج النووي الإيراني، ومن غير المستبعد أن تنازلات إيران، ربما كانت بالبرنامج النووي، والحفاظ على سطوتها على مضيق هرمز، وهو أحد أسس التوازن السياسي الذي يمكن أن تحافظ عليه إيران في هذه المرحلة.
إذن مع إعلان وقف إطلاق النار، تعتبر إيران ودول الجوار في الخليج العربي هي الأكثر تحقيقا للفوائد من هذا الإتفاق، وكذلك حزب الله اللبناني، الذي عاد بهذه المعركة لسطوته التي فقدها خلال حرب غزة، وما تعرض له من خسائر فادحة، سواء في قدراته القيادية أو العسكرية القتالية، وكذلك على مستوى الجبهة الداخلية اللبنانية.
ملاحظة
إذ أنتهت هذه الحرب، بهذه النتائج على الدول العربية الخليجية أن تعيد كل حساباتها السياسية في المنطقة، وكذلك تعيد صياغة سياساتها التحالفية.