نشر بتاريخ: 2026/03/23 ( آخر تحديث: 2026/03/23 الساعة: 14:38 )
مصطفى إبراهيم

اليوم الثالث والعشرون للحرب: في ظل غياب نهاية للحرب، عاد ترامب إلى التهديدات

نشر بتاريخ: 2026/03/23 (آخر تحديث: 2026/03/23 الساعة: 14:38)

الكوفية مع دخول الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران يومها الثالث والعشرين، تكشف القراءة المتقاطعة للتحليلات العسكرية والسياسية الإسرائيلية عن صورة مركبة للحرب: تفوق عسكري واضح لإسرائيل والولايات المتحدة من جهة، مقابل تصاعد المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية للحرب من جهة أخرى.

فالإنذار الذي وجّهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إيران قد يكون محاولة لتصعيد المعركة من أجل تسريع إنهائها، لكن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن القيادة الحالية في طهران مستعدة لتحمل المخاطر، وتدرك في الوقت نفسه أن الإدارة الأميركية لم تكن مستعدة فعلياً لسيناريو إغلاق مضيق هرمز. وفي إسرائيل نفسها، تُستنزف منظومات الدفاع الجوي إلى حدودها القصوى، بينما يتعرض الجمهور المنهك لانتقادات متزايدة من قادته بسبب عدم التزامه الكامل بتعليمات الجبهة الداخلية.

التصعيد من أجل التهدئة:

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي أصبح أحد أبرز المتحدثين باسم إدارة ترامب بشأن الحرب مع إيران: "أحياناً عليك أن تصعّد لكي تهدّئ”.

وجاء هذا التصريح بعد إنذار وجّهه ترامب إلى إيران مدته 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، مهدداً بتدمير محطات الطاقة الكبرى لديها إذا رفضت.

ويفترض أن ينتهي هذا الإنذار خلال ساعات، رغم أن ترامب ألمح في أكثر من مناسبة إلى أنه يبحث عن مخرج لإنهاء الحرب. وترى التحليلات الإسرائيلية أن العودة إلى لغة التهديد تعكس تأثير الخطوة الإيرانية بإغلاق المضيق، وهي خطوة نجحت في مفاجأة الإدارة الأميركية رغم أنها كانت مطروحة في سيناريوهات المحاكاة الاستراتيجية منذ عقود.

ورغم محاولات واشنطن وبعض وسائل الإعلام الإسرائيلية التقليل من أهمية الأزمة المتصاعدة في سوق الطاقة، إلا أن الخطوة الإيرانية بدأت بالفعل تُحدث ارتدادات في الاقتصاد العالمي.

حرب التفوق العسكري:

عسكرياً، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران تتعرض لقصف مكثف ومستمر وتواجه تفوقاً جوياً واضحاً لإسرائيل والولايات المتحدة. فالغارات الجوية تتركز في وسط وغرب إيران، مستهدفة منشآت إنتاج الصواريخ، ومواقع الحرس الثوري، ومخازن الأسلحة والذخيرة، إضافة إلى منشآت وزارة الاستخبارات والأمن الداخلي.

وبحسب القراءة العسكرية الإسرائيلية التي عرضها دافيد جندلمان، فإن سلاح الجو الإسرائيلي بدأ يستخدم أيضاً قنابل سقوط حر قديمة يعود عمرها إلى نحو خمسين عاماً ضد أهداف عسكرية بعيدة عن المناطق المدنية، في مؤشر على ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية في تلك المناطق.

وتقدّر التقييمات الإسرائيلية أن نحو 80 إلى 85 في المئة من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية قد جرى تحييدها، الأمر الذي يسمح بتنفيذ الضربات الجوية من مسافات قريبة نسبياً.

ومع ذلك، فإن التفوق العسكري لا يعني انتهاء قدرة إيران على الرد، إذ لا تزال طهران قادرة على توجيه ضربات صاروخية مؤلمة.

الصواريخ الإيرانية واستنزاف الدفاعات:

تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران تطلق حالياً عدداً محدوداً نسبياً من الصواريخ، يصل إلى نحو عشرين صاروخاً يومياً، غالباً في دفعات صغيرة من صاروخ أو صاروخين، وفي بعض الحالات برؤوس حربية عنقودية.

وتقدّر الاستخبارات الإسرائيلية أن إيران ما زالت تمتلك نحو 150 منصة إطلاق نشطة، مع مخزون صاروخي يتراوح بين ألف وألفي صاروخ.

وقد سجلت إيران إنجازاً معنوياً عندما أصابت صواريخ باليستية مناطق في ديمونا وعراد، ما أدى إلى أكثر من مئة جريح وأضرار واسعة. وأعلنت طهران أن الهجوم استهدف المفاعل النووي في ديمونا رداً على قصف منشأة نطنز النووية.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي يتباهى بنسبة اعتراض تصل إلى نحو 92 في المئة، فإن التقديرات تشير إلى أن منظومة الدفاع الجوي تعمل عند حدودها القصوى، وأن إعادة تنظيم طبقات الدفاع تتم بصورة متواصلة أثناء المعركة.

جبهة الطاقة والتهديد المتبادل:

في موازاة المعركة العسكرية، يتصاعد الصراع حول جبهة الطاقة. فقد هدد ترامب بضرب محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يتم فتح مضيق هرمز، في حين ردت طهران بتهديدات بقطع الكهرباء والمياه والإنترنت عن دول المنطقة.

وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة استهداف البنية العسكرية والصناعات الدفاعية الإيرانية، بما في ذلك مصانع الصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن الذخيرة.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران قد تلجأ إلى استراتيجية ضرب منشآت الطاقة في دول الخليج إذا توسعت الهجمات الأميركية.

الجبهة الشمالية:

على الجبهة اللبنانية، تستمر الغارات الجوية الإسرائيلية ضد مواقع إطلاق الصواريخ والبنية العسكرية لحزب الله، كما أعلن الجيش الإسرائيلي عن تصفية أحد قادة قوة الرضوان.

وفي الوقت نفسه تتوسع العمليات البرية تدريجياً في جنوب لبنان مع إدخال قوات إضافية إلى المنطقة.

وقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أن الهدف هو السيطرة على مناطق تقع خارج مدى الصواريخ المضادة للدروع وتدمير القرى الواقعة على خط التماس، في حين جرى تدمير جسور على نهر الليطاني ضمن محاولة لعزل ساحة القتال.

المجتمع الإسرائيلي تحت الضغط:

داخل إسرائيل، تترافق التطورات العسكرية مع مظاهر ارتباك في إدارة الجبهة الداخلية. فقد برزت انتقادات حادة للتنسيق بين الوزارات الحكومية، إلى جانب تصريحات مثيرة للجدل لبعض رؤساء البلديات.

كما تظهر فجوة واضحة بين القيادات السياسية التي تعيش في منازل مزودة بغرف محصنة، وبين السكان الذين يضطر كثير منهم إلى الاحتماء في ملاجئ عامة مكتظة، خصوصاً في مدن الجنوب.

ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، تبدو أعصاب المجتمع الإسرائيلي منهكة، بينما يواجه كثير من الأهالي صعوبات في العمل بسبب استمرار إغلاق المدارس أو الاكتفاء بالتعليم عبر الإنترنت.

الضفة الغربية واحتمال الاشتعال:

في موازاة ذلك، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من تصعيد محتمل في الضفة الغربية.

فبعد مقتل مستوطن إسرائيلي في حادث قرب نابلس وصفته التحقيقات الأولية بأنه حادث سير مع مركبة يقودها فلسطيني، سارع قادة المستوطنين إلى وصف الحادث بأنه عملية متعمدة.

وأعقب ذلك موجة من الاعتداءات الانتقامية، حيث هاجم مستوطنون قرى فلسطينية وأحرقوا منازل وسيارات قرب نابلس وجنين.

وتخشى الأجهزة الأمنية الفلسطينية أن يستغل المستوطنون أجواء الحرب مع إيران لتوسيع المواجهة في الضفة الغربية بدعم من الحكومة الإسرائيلية.

حرب بلا نهاية واضحة:

ورغم التفوق العسكري الواضح لإسرائيل والولايات المتحدة، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الحرب لا تزال بعيدة عن نهايتها. فإيران، رغم خسائرها الكبيرة، ما زالت قادرة على إطالة أمد المواجهة وفرض كلفة استراتيجية واقتصادية على خصومها.

وفي ظل غياب استراتيجية خروج واضحة، تبدو الحرب – وفق كثير من التحليلات الإسرائيلية – مفتوحة على أسابيع إضافية على الأقل، وربما على تصعيد أوسع في أكثر من جبهة في المنطقة.