نشر بتاريخ: 2026/03/19 ( آخر تحديث: 2026/03/19 الساعة: 13:41 )
طلال عوكل

كان يمكن أن تكون أميركا عظيمة

نشر بتاريخ: 2026/03/19 (آخر تحديث: 2026/03/19 الساعة: 13:41)

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يدرك حركة التاريخ، وأن ثقافته ومعرفته لا تتجاوز حدود ما برع فيه، وهو إبرام الصفقات التجارية الناجحة. ولكن حتى أن موهبته ومعرفته في أساليب تحقيق الصفقات التجارية والعقارية الناجحة، لم تجعله واحداً من أثرياء بلاده، إذ لا تتجاوز ثروته الـ 5 مليارات من الدولارات.

حركة التاريخ لا يمكن أن تعود إلى الوراء، هذا ما لا يدركه ترامب الذي رفع سقف طموحاته عالياً فوق وقائع الحياة، حين رفع شعار «لنجعل أميركا عظيمة»، ومن خلال سياسة «أميركا أولاً».

في الواقع بإمكان أميركا أن تبقى عظيمة، ولكن ليست الدولة الأعظم، ولا الدولة المهيمنة وحدها على النظام الدولي في ظلّ المنافسة المحتدمة، من الصين، فضلاً عن بروز أقطاب أخرى مثل روسيا والهند.

أميركا عظيمة بمساحتها، وعدد سكّانها، وبتنوّع مناخاتها، وموقعها الجيوسياسي، وبثرواتها الضخمة، وبحجم ناتجها القومي الذي يتجاوز 25% من الإنتاج العالمي.

وأميركا عظيمة، أيضاً، بقدراتها العلمية والتكنولوجية، وترسانتها النووية والعسكرية الهائلة، وبتجربتها الديمقراطية وبالقيم الإنسانية التي تنادي بها، ولكنها تخلّت عنها لأسباب استعمارية. ترامب بشّر منتخبيه بأنه سيكون رجل سلام، وأنه سينجح في إطفاء حروب مشتعلة، يتهم سلفه «الديمقراطي» جو بايدن بأنه المسؤول عن وقوعها واستمرارها.

يدّعي ترامب أنه نجح في إطفاء 7 حروب خلال أقلّ من عام واحد على اعتلائه عرش البيت الأبيض، وأنه لذلك يستحقّ عن جدارة جائزة «نوبل للسلام».

ولكن ما جاء أثناء ذلك، وما بعده، يقدم أدلّة ملموسة على أن أميركا في عهده، لا تخالف طبيعتها العدوانية والاستعمارية.

تدخّلات الإدارة الأميركية في الحرب الروسية الأوكرانية، كانت تقوم على تحقيق صفقات لبلاده على حساب الأوكرانيين، واستغلال الدعم الأميركي لأوكرانيا، لتركيع الأوروبيين، وجباية أثمان ما يسمّى المساعدات الأميركية لأوكرانيا.

ترامب شنّ حرباً تجارية على العالم كلّه من خلال الرسوم الجمركية، واتبع سياسة جباية «خاوة» على الأعداء والحلفاء، قبل أن يضطرّ للتراجع عنها بحدود معيّنة، تركت قلقاً وغصّة لدى الحلفاء التاريخيين لبلاده.

هكذا خسر ترامب الحلفاء الأوربيين، وحاول إخضاعهم، وتدفيعهم ثمن الحماية الأميركية، وهو بذلك يكون قد وضع إسفيناً كبيراً في حلف «الناتو»، على اعتبار أن أميركا ليست بحاجة لدول أوروبا، وأن وجودها في الحلف يكلّفها أثماناً باهظة دفاعاً عن الآخرين.

ثم افتعل أزمة مع الأوروبيين حول جزيرة غرينلاند التي هدّد بالاستيلاء عليها بأيّ طريقة بما في ذلك إمكانية استخدام القوة. بقيت أزمة الجزيرة عالقة، فيما ضربت في الصميم الثقة بين أطرافها، فقام بفتح معركة الاستحواذ على كندا. فشل في هذه وتلك، فقد أظهر رئيس حكومة الأخيرة، إرادة قوية على التحدّي، والاستعداد للتعامل مع كل الاحتمالات، وقدم في دافوس نموذجاً للقائد الشجاع الذي يملك الحكمة السياسية، والمعرفة العميقة بالتحولات الجارية على سطح الكوكب.

بادر رجل السلام الموعود، إلى شنّ حرب خاطفة على فنزويلا، وقام باختطاف مافيوي لرئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونصّب مكانه، نائبته ديلسي رودريغيز، التي رضخت للإدارة الأميركية، وسلّمت لها بالاستيلاء على نفط البلاد.

ترامب الذي يشعر بغصّة وخديعة، لأنه لم ينل جائزة نوبل للسلام بكونه الأحقّ في أن يحصل عليها، يهدّد كوبا، والمكسيك، ويشعل النيران في نيجيريا. كان بإمكانه أن يجعل أميركا دولة عظيمة ولكن ليست الأعظم، أو التي تحتكر القوة، لو أنه امتنع عن مجاراة الدولة العبرية في حروبها التي لا تتوقف على المنطقة.

مكانة وأوضاع أميركا ومصالحها في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً لم يكن ينقصها شيء، ولم تكن مهدّدة من أيّ طرف حتى يضطرّ لخوض حرب مكلفة، ذات أبعاد إقليمية، وآثار اقتصادية على العالم.

كانت إيران مستعدّة بشهادة وزير خارجية مسقط بدر البوسعيدي، لأن توقّع على اتفاق جوهري جدّي، قدّمت مشروعه من خلال ورقة، تستند إلى فتوى علي خامنئي، الذي منع إيران من تطوير برنامج نووي عسكري.

يبدو أن ترامب لم يسمح لنفسه الاطلاع على المقترح الإيراني، إذ تشير المعلومات في الجانب الإسرائيلي إلى أن الهجوم على إيران كان مقرّراً قبل أسابيع، فضلاً عن أن الحشد العسكري الهائل، لم يكن بهدف الضغط أو التهديد فقط، كما أكّدت الأيّام السابقة.

المصالح الأميركية في الشرق الأوسط كانت مؤمّنة، فثمة قواعد عسكرية في كل دول الخليج العربي، وفي العربية السعودية، والأردن، والعراق، وأميركا كانت على علاقة جيدة مع دولها، ولم تتوقف عن حلب الدول الغنية، بل إن ترامب نجح في الحصول على تريليونات الدولارات كاستثمارات. وكانت بلده تجبي الأموال من دول المنطقة مقابل الأسلحة التي تصدرها لتلك الدول، بذريعة مواجهة التهديدات الإيرانية.

الحرب العدوانية على قطاع غزة، أثبتت لإدارة ترامب، أن دول المنطقة لا تشكل تهديداً لدولة الاحتلال، أو للقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، بل إنها انخرطت في مبادرة ترامب ذات الـ20 بنداً، رغم علمها بالاجحاف الذي تنطوي عليه بالنسبة للفلسطينيين.

حتى أن دولة الاحتلال التي تحرص أميركا على حمايتها لم تتعرّض لأيّ تهديد جدّي من قبل جيرانها، حتى تضطرّ لأن تشنّ حرباً على إيران.

إذاً هو الجشع، والعقلية الاستعمارية، والرغبة في الاستحواذ والاستعباد، وخدمة المخطّطات الصهيونية التوسعية، هي التي تقف خلف هذه الحرب العدوانية التي قد تطيح بهيبة أميركا، وتهدّد وجودها ومصالحها في المنطقة.