الحرب تكشف حقيقة أهدافها
رجب أبو سرية
الحرب تكشف حقيقة أهدافها
رغم أنها لم تنتهِ بعد، إلا أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بدأت وقد دخلت أسبوعها الثالث على التوالي، بكشف حقائق، كانت خافية حتى عهد قريب، وبالتأكيد فإنها حين تنتهي ستضع الكثير من النقاط على حروف أسرار السياسة الإقليمية والدولية، من جملة تلك الحقائق، أن زعيم اليمين الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجد في طوفان الأقصى في تشرين الأول 2023، اللحظة التي خطط لها منذ ثلاثة عقود قبل ذلك، أي منذ أوسلو 93، ليغلق ملف الدولة الفلسطينية تماما، ليس ذلك وحسب، بل إنه وبدليل إصراره على مواصلة الحرب متجاوزا فلسطين، فقد وجدها فرصة ليعلن عن مشروعه نحو إسرائيل الكبرى، وتنصيب إسرائيل كزعيم على الشرق الأوسط، وهكذا بات مفهوما تماما، لماذا رفض فتح باب التطبيع مع السعودية، مقابل فقط الموافقة على أفق للحل السياسي الذي يتضمن إشارة فقط لقيام الدولة الفلسطينية، وهناك تأكيدات باتت واضحة للجميع على هذا المسار، وما من داعٍ لتكرارها.
ثاني هذه الحقائق، هي طبيعة العلاقة بين أميركا وإسرائيل، المتداخلة والعضوية جدا إلى حدود أنه يصعب القول، إنهما دولتان منفصلتان، بل لو كانت إسرائيل ولاية أميركية، ربما ما كانت أميركا قد دافعت عنها إلى هذا الحد، وقد تأكد هذا على اعتبار أن الحرب الإسرائيلية - الأميركية على ايران، ما هي إلا الفصل الأخير عمليا من الحرب الإسرائيلية التي بدأتها في تشرين الأول 2023، وقد اتضح تماما بأن العلاقة بين البلدين تتجاوز الحزبين، ذلك أنه لا يمكن لحظ كبير فرق بين ما اتبعته إدارة جو بايدن خلال عامي 2023، 2024، وإدارة ترامب خلال العام 2025 وحتى الآن، فإذا كانت إدارة بايدن ظلت ملتصقة بإسرائيل وهي ترتكب حرب إبادة جماعية، آثرت خلالها أن تقف إلى جانبها ضد كل العالم، بشعوبه ودوله ومنظماته الدولية في مقدمتها الأمم المتحدة، ومنها المحكمة الدولية، فإن إدارة دونالد ترامب قد ذهبت بعيدا مع إسرائيل لدرجة أن تشاركها الحرب صراحة وعلانية على ايران، مرتين.
هذا بالرغم من أن ترامب عاد للبيت الأبيض وهو يرفع شعار إطفاء الحروب، وإذا ما افترضنا بأنه كان صادقا في هذا الأمر، فإن التفسير الوحيد لشنه الحرب أو لانخراطه فيها على أقل تقدير، هو أن نتنياهو جرّه إليها رغم أنفه، وهذا يبدو أمرا غريبا على الصعيد الشخصي، حيث ظل ترامب يهاجم نتنياهو أربعة أعوام ما بين عامي 2020 ــ 2024، أي منذ أن هنأ نتنياهو بايدن بفوزه بانتخابات الرئاسة 2020، إلى أن عاد ترامب للبيت الأبيض العام الماضي، كذلك على الصعيد الرسمي، فأميركا هي أقوى وأكبر دولة في العالم، بل هي زعيمة العالم الوحيدة منذ ثلاثة عقود مضت، فيما إسرائيل تظل دولة صغيرة، وهي تحاول بالاتكاء على القوة العسكرية والسياسية الأميركية أن تسيطر على الشرق الأوسط، وهي الدولة الوحيدة في العالم، التي ما زالت منذ قيامها في حالة عداء مع محيطها الجغرافي، بل وكرست هذه الحالة خلال العامين الماضيين، بعد ما اقترفته من حرب إبادة، وبعد إعلانها عن هدفها في السيطرة على كل الإقليم، بما في ذلك احتلال أراضي دول الجوار، وهذا يعني أن تقود أميركا إسرائيل وليس العكس.
أما فيما يخص الحقائق المباشرة، فلا بد من الإشارة إلى أن الحرب بعد مرور سبعة عشر يوما على اندلاعها، لم تعد مجرد ضربة خاطفة، تحسم بالضربة الأولى، أو بعد أسابيع كما قدرّ عرّابها على أي حال، الذي كما كان بيده عود كبريت إشعالها، بيده إطفائية إخمادها، نقصد ترامب بالطبع، وإذا كانت الحرب حتى الآن قد كشفت عن سوء تقدير الجانب الأميركي/ الإسرائيلي، الذي كان يعول على أن تؤدي الضربة الأولى الموجعة إلى انهيار النظام الإيراني، واستسلامه للشروط الأميركية، فإنه بالمقابل لم تتحول الحرب بعد إلى حرب إقليمية شاملة، كما هددت وحذرت ايران، وصحيح أن دخول «حزب الله» بقوة والمقاومة العراقية بدرجة أقل ميدان المعركة خلق بعضا من تلك الصورة، إلا أن تردد الحوثي، كما عدم اشتعال دول الخليج المكتظة بالشيعة، وإن كان الأمر ما زال مبكرا، أي أن حريق الحرب، كلما طال الوقت، اتسعت دائرتها.
كذلك كشفت الحرب عما يمثله الخليج العربي من مكانة مركزية بالنسبة للنظام العالمي، وذلك لا يعود فقط إلى ما في الخليج من ثروة نفطية وغازية وحسب، بل إلى ما فيه من استثمارات، جعلته مركزا عالميا ليس للتسوق وحسب، بل ولكبرى شركات الاستثمار العالمية في مجالات التكنولوجيا الحديثة والبرمجيات والاتصالات، وهي كلها تمثل قوة تأثير على ما يشهده العالم من صراع كوني على طبيعة النظام العالمي، ولعل الأيام الأخيرة شهدت نقلة في فصول الحرب، من التراشق في المرحلة الأولى بقصف المواقع العسكرية، إلى الانتقال إلى قصف مراكز القوة الاقتصادية، حيث إن استهداف الجانبين لتلك المواقع يوضح تلك الصورة، بعد القصف الأميركي - الإسرائيلي لجزيرة خرج الإيرانية حيث تتركز صناعتها النفطية، والرد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز الذي يتحكم بخمس تجارة النفط العالمية، إضافة للتبادل التجاري بين الشرق والغرب.
وقد صار هرمز، كما لو كان بيرل هاربر الحرب العالمية الثانية، ذلك أنه إذا كانت الحرب قد أدخلت في دائرتها منذ يومها الأول أكثر من عشر دول شرق أوسطية في أتونها، بالتحديد دول الخليج الست، مع ايران وإسرائيل وكل من الأردن والعراق وتركيا، فإن اشتعال نار الحرب في مضيق هرمز يعني معظم دول العالم، من الشرق، حيث اليابان، كوريا والصين، إلى الغرب الأوروبي، ولعل متابعة ما أعلنه حتى الآن الرئيس الأميركي من ردود على ما كانت تهدد به ايران، منذ ما قبل الحرب من إغلاق للمضيق، والتي تراوحت ما بين التهديد بسحق ايران، إلى مطالبة ناقلات النفط بعدم الاستجابة للتحذيرات الإيرانية، إلى اقتراح مرافقة القطع البحرية الأميركية لناقلات النفط، وصولا مؤخرا إلى مطالبة الدول المتضررة للدخول في الحرب ضد ايران، للدفاع عن مصالحها المتضررة بإغلاق المضيق، يؤكد ما نقول.
بالمقابل، ايران لم تقف مكتوفة الأيدي، بل ردت بالفعل وليس بالقول فقط على ترامب بتأكيد تحكمها هي وليس أحدا غيرها بالمضيق، وذلك بالسماح للبواخر الصديقة بالمرور، ومنع البواخر وناقلات النفط الأميركية والإسرائيلية فقط من عبور المضيق، وكان أخطر ما في الأمر، هو أن الحرب في أسبوعها الثالث بدأت تكشف عن مواقف دولية منحازة لهذا الجانب أو ذاك، ولا نقصد هنا انخراط الحوثي لجانب ايران، أو تدخل «أرض الصومال» مثلا لجانب إسرائيل، ولا حتى مجرد تعزيز بريطانيا لقاعدتها العسكرية في قبرص، أو تعرض القاعدة العسكرية الفرنسية في أربيل العراق للقصف، ولكن الأمر أبعد من هذا، حيث كانت البداية في مجلس الأمن، حين تقدمت البحرين باسم مجموعة دول الخليج بمشروع القرار الذي أدان القصف الإيراني للقواعد الأميركية في تلك الدول.
هذا يعتبر بالنسبة للأميركيين والإسرائيليين مدخلا لدفع دول الخليج للدخول في حرب مباشرة مع ايران، حذر منها وزير خارجية قطر، عرّاب سياستها الخارجية الحديثة الشيخ حمد بن جاسم، بل واعتبر أن هناك مخططا أميركيا/إسرائيليا، ليس لتوريط دول الخليج في الحرب وحسب، بل للزج بها فيها، ومن ثم خروج الأميركي والإسرائيلي منها، في مشهد «كلاكيت ثاني مرة» على ما يبدو لما حدث بين عامي 1980 ــ 1988 بين العراق وإيران، في تلك الحرب التي شجعتها دول الخليج والغرب، وأدت إلى انهاك الدولتين معا، بما فتح الأبواب لتدمير العراق واحتلاله لاحقا، من قبل أميركا بتحريض إسرائيلي، حاول الإسرائيلي أن يكمله بالحرب على ايران إلى أن نجح أخيرا.
يدرك الشيخ حمد أن العالم ينتقل إلى نظام عالمي جديد، على كل الدول التي لديها مفاتيح القوة الاقتصادية كما هو حال دول الخليج، وتفتقر للقوة العسكرية، بما يجعل منها مطمعا للغير، أن تفكر في إغلاق هذه الثغرة، من خلال إنشاء مجلس دفاع عسكري مشترك على غرار «الناتو»، وأكثر من ذلك، اقترح الشيخ حمد أن يشمل ذلك المجلس كلا من تركيا وباكستان، الدولتين المسلمتين السنيتين القويتين عسكريا، الأولى وهي عضو في «الناتو»، وتشكل فيه القوة العسكرية الثانية، والثانية هي دولة نووية، وجاء في هذا السياق كذلك ما أعلنته مصر أيضا من ضرورة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وذلك على ما يبدو حتى لا تكون الدول العربية الغنية اقتصاديا والأقل قوة عسكرية بين قوتين إقليميتين أقوى منها عسكريا، فتضطر إلى أن تخضع لهذه أو تلك.