نشر بتاريخ: 2026/02/06 ( آخر تحديث: 2026/02/06 الساعة: 11:54 )
أكرم عطا الله

هل تفسر جزيرة إبستين انحطاط السياسة ؟

نشر بتاريخ: 2026/02/06 (آخر تحديث: 2026/02/06 الساعة: 11:54)

لم يترك جون كرياكي الضابط والمسؤول السابق لمنطقة الشرق الأوسط في المخابرات المركزية الأميركية متسعاً للتحليل عندما سُئل في مقابلة تلفزيونية هل يعتقد أن جيفري ابستين جاسوس؟ أجاب بسرعة: «أنا أعتقد بقوة أنه كان جاسوساً «وفي السؤال الثاني عمن يعتقد لمن كان يعمل؟ أجاب «أنا واثق أنه للإسرائيليين» مستطرداً كيف ولماذا، ليوفر على المؤمنين بنظرية المؤامرة الكثير مما كانوا سيقولونه لمن يعتقدون أن العالم يُدار بعيداً عن الغرف السوداء أو الحمراء التي كان يقيمها إبستين في جزيرته التي أُعدت لصناعة المؤامرات على البشرية من نخبة وصلت هذا المستوى من الانحطاط.

المكالمة التي نُشرت بين إبستين وإيهود باراك رئيس وزراء اسرائيل السابق عندما كان إبستين يتحدث بكل خنوع وإذلال مع باراك، ربما تُكمل أو تعطي مثالاً لما أراد كرياكي أن يشرحه. فسيطرة باراك على الرجل الذي كان يسيطر على الجميع واضحة، وإذا كان الأمر كذلك فهو يمكن أن يفسر لنا الكثير من تعلق النخبة السياسية الأميركية لإسرائيل في السلم وفي الحرب، وكيف وقفت خلفها وهي تقوم بتجريف عملية السلام، وكيف وقفت خلفها وهي تقوم بتجريف غزة، وكيف تقف خلفها وهي تقوم بتجريف الأمم المتحدة والمحكمة الدولية، ليبدو السؤال الذي ملأ وسائل التواصل الاجتماعي كيف لهذه النخبة التي تلذذت بتعذيب الأطفال أن تتضامن مع أطفال غزة، سؤالاً بريئاً أمام طبيعة علاقات الجزيرة وارتباطاتها.

من كان يملك كل هذا الوقت والجهد للرد على ملايين الإيميلات والوثائق وتصوير مئات آلاف مقاطع الفيديو؟ فالامر أكبر بكثير من قدرة فرد وأفراد. هذا يحتاج إلى مؤسسة، وللمصادفة كلمة موساد تعني بالعربية «مؤسسة». لا يمكن لجيفري إبستين وحده أن ينسج كل هذه العلاقات وأن يرد على كل هؤلاء، وأن يرتب وحده أو بمجموعة مساعدين كل هذا العمل الكبير جداً، والذي ستكتشف الأوساط الأميركية أنه كان أكبر عملية استخبارية في تاريخ الولايات المتحدة، وإذا ثبت ما يعتقده الضابط جون كرياكي تكون الولايات المتحدة قد تلقت أكبر إهانة في تاريخها، كيف تم اسقاط النخبة الأميركية من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي ورجال الاقتصاد والفكر والأكاديميا الجامعية، ولن تشفى منها أميركا بسهولة، وإن كان في كشف الوثائق ما يشير لميكانزمات النظام في تنظيف ذاته، فكل النظم وخصوصاً في العالم الثالث لديها إبستين، لكنه لا ينكشف مبقياً النظم تُخفي فضائحها وعفنها.

وبغض النظر عن التفسير النفسي لشذوذ النخبة الأرستقراطية التي تم اصطيادها في مكان معزول كان يسهل إيقاعها وتصويرها أو رشوتها، سواء بفتيات أو غلمان أو قروض وأي شيء تطلبه، فنحن أمام نخبة متوحشة تشبه النظام الرأسمالي المتوحش الباحث عن المتعة على حساب عذابات البشر. والغريب أن أبواب المتعة مفتوحة في الولايات المتحدة وكل عواصم الغرب، فما الذي جعل كل هؤلاء يذهبون طوعاً لتلك الجزيرة كي يسهل اصطيادهم؟

بالرغم مما حملته الوثائق المنشورة من معطيات ومعلومات صادمة، فقد تبقت ثلاثة ملايين وثيقة لم تُنشر بعد، وتلك الأكثر إثارة بين الوثائق وتنتظر أيضاً قراراً من الكونغرس، ففيها مسائل تتعلق بالأمن «فما نُشر حتى الآن من مراسلات وصور تتعلق بالفضائح الجنسية» والوثائق التي ينتظر العالم قراراً جديداً من الكونغرس بالإفراج عنها ما يتناول شخصيات وزعماء ما زالوا في السلطة، وعلى رأس عملهم في مناطق عديدة في العالم ومنها في المنطقة العربية والشرق الأوسط. فقد أعادت الرقابة حجب وثائق تتعلق بترامب بعد نشرها، ومن الصعب على الشرطة الأميركية المصابة مثلنا بالصدمة أن تعتقل حتى لو فرداً واحداً من المتهمين، لأنها بذلك تفرض على نفسها اعتقال كل من تم ذكرهم، ولنتصور أن كثيرين من نخبة أميركا في السجون بتهم التحرش والرشاوى والدعارة واغتصاب القاصرات.

تحاول وسائل الإعلام الأميركية المؤيدة للاتجاهين مثل «فوكس نيوز» اليمينية و «سي إن إن» الليبرالية التقليل من قيمة ما يحدث، محاولةً تجاهل الفضيحة بقدر الإمكان. لكن عصر وسائل التواصل الاجتماعي يفضح كل شيء، وبالنسبة لنا يعطي تفسيراً مهماً كيف يُدار العالم، وكيف تُرتكب إبادة في ظل الخرس الدولي، وكيف تعيش تلك النخب الفاسدة وتمارس السياسة، وبأي منطق فاسد يشبه حياتها الخاصة بعيداً عن الكاميرات. فحوالي 90% من مجموع المراسلات أشبه بدعارة سياسية وليست جنسية، وإن كانت الأخيرة أكثر إثارة وانتباهاً، لكن إدارة العلاقات السياسية لا تقل خطورة، حيث عقود الشركات والمِنح والتعيينات والمناقصات والترفيعات، كل شيء.. كل شيء كان مربوطاً بتلك الجزيرة.

ستستمر الاكتشافات لسنوات، فمن يستطيع كشف ملايين الوثائق في شهر أو عام؟ وستُضاف لها ملايين أخرى، منذ عام يحاول دونالد ترامب إعاقة قرار الكونغرس لكن الجمهوري الشجاع « توماس ماسي» الذي تمرد على المنظومة تكفّل بإحداث الزلزال، وهو بالمصادفة من مؤيدي الحق الفلسطيني لهول ما اكتشف... قادة جدد يتحسسون رؤوسهم، فقد انكشف الأمر والأمل كبير بتصويب البشرية لنفسها من هذا الجنون والانحطاط ... ياه... فقد كنا في ذروة الإبادة نسأل عن الضمير الإنساني، ولم نكن نعرف أنه قد غرق في جزيرة إبستين .... !