نشر بتاريخ: 2026/01/03 ( آخر تحديث: 2026/01/03 الساعة: 18:06 )
بقلم: شريف الهركلي

حين تُستهدف أطباء بلا حدود… السياسة في مواجهة الضمير العالمي

نشر بتاريخ: 2026/01/03 (آخر تحديث: 2026/01/03 الساعة: 18:06)

الكوفية حين تُعلّق إسرائيل أنشطة منظمة بحجم أطباء بلا حدود في غزة، لا يعود الأمر إجراءً إداريًا أو خلافًا تقنيًا، بل يتحوّل إلى مواجهة مباشرة بين السياسة والضمير الإنساني، وبين منطق القوة ومبادئ القانون الدولي الإنساني. فالحياد الطبي، حين يصرّ على الشهادة ونقل الحقيقة كما هي، يصبح في نظر السلطة رواية غير مرغوب بها، بل تهديدًا يجب تحييده.

قرار تعليق عمل المنظمة، وربطه بشروط تسجيل غامضة ومتغيّرة، يشكّل محاولة محسوبة لإعادة تعريف العمل الإنساني: من التزام قانوني وأخلاقي مستقلّ بإنقاذ الأرواح، إلى نشاطٍ مشروط بالامتثال السياسي والأمني. وهو ما يمثّل، في جوهره، انتهاكًا صريحًا لالتزامات إسرائيل كقوة احتلال بموجب اتفاقيات جنيف، التي تحظر عرقلة المساعدات الطبية أو استخدام الإغاثة أداة ضغط أو عقاب جماعي.

في نزاع تُدار فيه المعركة على الرواية بقدر ما تُدار على الأرض، يصبح الطبيب الذي يصف الجرح خطرًا، وتغدو الضمادات وثائق إدانة. فحين يُمنع المدنيون من الرعاية الطبية، لا تكون المستشفيات أهدافًا عرضية، بل ساحات مواجهة سياسية وأخلاقية.

حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، لا تزال أطباء بلا حدود بانتظار تجديد تسجيلها للعمل في غزة والضفة الغربية، رغم أشهر من التواصل وتقديم معظم المتطلبات منذ يوليو/تموز الماضي، دون معايير واضحة أو ضمانات قانونية. وبدلًا من الانخراط الجاد لمعالجة المخاوف المشروعة، لجأت السلطات الإسرائيلية إلى التصعيد الإعلامي.

وفي 30 ديسمبر، وُجّهت اتهامات علنية تزعم وجود صلات بين موظفي المنظمة وجماعات مسلحة، دون تقديم أدلة موثوقة أو مسار قانوني شفاف. وهي اتهامات ترفضها أطباء بلا حدود رفضًا قاطعًا، مؤكدة أنها لا توظّف، عن علم، أي شخص يشارك في أنشطة عسكرية، وأن مثل هذه الادعاءات لا تسيّس الإغاثة فحسب، بل تعرّض الطواقم الطبية لخطر مباشر، وتشرعن استهدافها.

وتزداد خطورة هذه الإجراءات مع فرض شروط تسجيل تتطلّب تسليم بيانات شخصية حسّاسة لموظفين فلسطينيين، في سياق قُتل فيه 15 من كوادر أطباء بلا حدود على يد القوات الإسرائيلية، وتعرّض فيه العاملون الطبيون والإنسانيون للاحتجاز التعسّفي والترهيب والهجمات. إن اشتراط تبادل البيانات مقابل السماح بالوصول يُعدّ تجاوزًا فاضحًا يقوّض مبدأي الاستقلال والحياد، ويثير مخاوف جدّية بشأن استخدام هذه المعلومات في غياب أي ضمانات قانونية.

لماذا أطباء بلا حدود؟

لأنها منظمة مستقلة لا تعمل كواجهة لأي حكومة.

ولأنها تنقل الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى.

استهدافها يبعث برسالة خطيرة إلى بقية المنظمات الإنسانية: الحياد وحده لا يكفي، والاستقلال قد يكون ثمنه الإقصاء.

الكلفة السياسية والإنسانية

في واقعٍ دمّرت فيه القوات الإسرائيلية النظام الصحي الفلسطيني والبنية التحتية الأساسية، تتعاظم الحاجة إلى توسيع الخدمات لا تقليصها. أطباء بلا حدود تدعم اليوم واحدًا من كل خمسة أسرّة في مستشفيات غزة، وتساند ثلث الولادات. وخلال عام 2025 وحده، قدّمت نحو 800 ألف استشارة طبية، وعالجت أكثر من 100 ألف إصابة بليغة، وأجرت 22,700 عملية جراحية، وساعدت في أكثر من 10 آلاف ولادة، ووزّعت قرابة 700 مليون لتر من المياه.

إن فقدان الوصول أمام هذه المنظمة، ومعها 36 مؤسسة دولية أخرى أُوقِف عملها، يعني حرمان مئات الآلاف من الرعاية الصحية الأساسية، في وقتٍ تعاني فيه غزة حصارًا خانقًا، ونقصًا مفتعلًا في الإمدادات الطبية، وظروفًا إنسانية كارثية تفاقمت مع شتاء ثالث قاسٍ، دمّرت خلاله الأمطار والرياح الخيام المؤقتة، فيما تُمنع المستلزمات الأساسية من الدخول.

غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل اختبارًا عالميًا لحدود القانون والأخلاق. وإذا لم يعد الطبيب مرحّبًا به لأنه لا يغيّر وصف الألم، فالسؤال لم يعد محصورًا بأطباء بلا حدود وحدها، بل بمستقبل العمل الإنساني في مناطق الصراع.

خلاصة

وسط هذا المشهد القاتم، تبقى الأيادي البيضاء للطواقم الطبية تعزف على أوتار الجرح ليَلتئم.

شكرًا لأطباء بلا حدود، وللعاملين فيها، ولكل من يصرّ على إنقاذ الإنسان، لا تبرير قتله.

حين يُطلب من الطبيب أن يختار بين الحياد والامتثال السياسي، تكون الإنسانية هي الخاسر الأول.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل يظلّ الحياد الطبي خطًا أحمر تحميه القوانين الدولية، أم يُعاد رسمه وفق ميزان القوة في عالمٍ باتت فيه الضمادات جريمة؟