خاص|| غزة على حافة أزمة غذاء جديدة.. رغيف الخبز في دائرة الخطر
خاص|| غزة على حافة أزمة غذاء جديدة.. رغيف الخبز في دائرة الخطر
غزة: تتجدد المخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، مع تصاعد أزمة الأمن الغذائي وتراجع المساعدات المقدمة للأسر الفلسطينية، بالتزامن مع تعثر دخول الإمدادات التجارية ونقص التمويل الإنساني، في تطورات تهدد بتقويض التحسن المحدود الذي تحقق خلال الأشهر الماضية، وتضع مئات الآلاف من الفلسطينيين أمام مخاطر متزايدة من الجوع وسوء التغذية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت حذّر فيه برنامج الأغذية العالمي من اضطراره إلى تقليص مساعداته الغذائية في القطاع، اعتبارًا من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بسبب نقص التمويل، ما أدى إلى خفض عدد المستفيدين من نحو 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون، أي حرمان نحو نصف مليون فلسطيني من المساعدات الشهرية التي يعتمدون عليها لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
نقص الإمدادات يهدد رغيف الخبز
ولا تقتصر الأزمة على تراجع المساعدات المباشرة، بل تمتد إلى منظومة توفير الغذاء، وفي مقدمتها الخبز الذي يشكل عنصرًا أساسيًا في حياة آلاف الأسر النازحة والمعدمة.
ويحذر استمرار نقص المواد الغذائية واضطراب دخول السلع التجارية من تداعيات مباشرة على الأسواق والمخابز، خصوصًا في ظل تراجع القدرة الشرائية للسكان، وارتفاع مستويات البطالة، واعتماد قطاعات واسعة من الأهالي على المساعدات الإنسانية لتوفير الحد الأدنى من الغذاء.
ووفقًا لبيانات برنامج الأغذية العالمي، لا يزال البرنامج يدعم المخابز التي توفر نحو ثلث احتياجات قطاع غزة من الخبز، ما يجعل استمرار التمويل والإمدادات أمرًا حاسمًا للحفاظ على هذه الخدمة الحيوية.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز مخاوف من اضطرار مزيد من المخابز إلى تقليص إنتاجها أو التوقف عن العمل إذا لم تتوافر كميات كافية من الدقيق والوقود والتمويل اللازم لاستمرار التشغيل.
أرقام تكشف اتساع دائرة الجوع
وتعكس المؤشرات الإنسانية حجم التحديات التي يواجهها القطاع؛ إذ أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن نحو 1.4 مليون فلسطيني، أي ما يقارب 67% من السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مستويات الأزمة أو ما هو أسوأ، فيما يواجه نحو 200 ألف شخص أوضاعًا طارئة تتطلب مساعدات غذائية عاجلة لتجنب الوفيات المرتبطة بالجوع.
كما شملت إجراءات خفض المساعدات تقليص الحصص الغذائية إلى النصف، وخفض الوجبات الساخنة اليومية التي يوفرها البرنامج من 250 ألف وجبة إلى 150 ألفًا، إلى جانب تقليص المساعدات النقدية المقدمة للأسر.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التحسن النسبي في الأمن الغذائي لا يزال هشًا، وأن استمرار نقص التمويل وتعطل الإمدادات قد يؤديان إلى تراجع سريع في قدرة الأسر على الحصول على الغذاء، لا سيما الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن.
تعطل دخول البضائع يزيد الضغوط
وتتفاقم الأزمة مع اضطراب دخول السلع التجارية إلى قطاع غزة، بعد توقف شحنات تجارية، بينها مواد غذائية، على خلفية خلافات تتعلق بالضرائب وإجراءات إدخال البضائع، وفق تقارير إعلامية.
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن التحسن الذي تحقق في مواجهة سوء التغذية لا يزال هشًا، وأن استمرار تعطل الإمدادات قد ينعكس سلبًا على الأطفال والأسر التي تعاني أصلًا من تداعيات الحرب والنزوح وتدهور الخدمات الأساسية.
وتزداد خطورة هذه التطورات في ظل الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية والاقتصاد المحلي، وغياب مصادر الدخل لدى غالبية الأسر، الأمر الذي يجعل توافر السلع في الأسواق وحده غير كافٍ ما لم يتمكن المواطنون من شرائها بأسعار مناسبة.
الشتاء يضاعف المخاوف الإنسانية
ومع اقتراب فصل الشتاء، تواجه الأسر النازحة تحديات متزامنة تتعلق بالغذاء والمأوى والمياه والخدمات الصحية، في وقت تعيش فيه أعداد كبيرة من الفلسطينيين داخل خيام أو مبانٍ متضررة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن تراجع المساعدات الغذائية بالتزامن مع نقص الوقود والإمدادات الأساسية قد يضاعف معاناة السكان، ويزيد مخاطر سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد أكد حاجته إلى نحو 450 مليون دولار للحفاظ على عملياته الأساسية في قطاع غزة والضفة الغربية خلال الأشهر الستة الممتدة من أكتوبر 2026 إلى مارس 2027، في ظل فجوة تمويلية تهدد استمرارية البرامج الإغاثية.
استجابة عاجلة لمنع تكرار المجاعة
وأمام هذه المؤشرات، تبرز الحاجة إلى تحرك إنساني عاجل يضمن تدفقًا منتظمًا وكافيًا للغذاء والدقيق والوقود، ويحافظ على عمل المخابز والمطابخ المجتمعية، إلى جانب تأمين التمويل اللازم لاستمرار المساعدات الغذائية والنقدية للأسر الأكثر احتياجًا.
كما يتطلب احتواء الأزمة ضمان دخول الإمدادات التجارية والإنسانية بصورة مستمرة ويمكن التنبؤ بها، وتسهيل وصولها إلى مختلف مناطق القطاع، بما يمنع حدوث فجوات جديدة في توزيع الغذاء ويحد من ارتفاع الأسعار.
وبين نقص التمويل واضطراب الإمدادات وتراجع القدرة الشرائية، يقف سكان غزة أمام اختبار إنساني بالغ الصعوبة؛ فاستمرار تراجع المساعدات لا يهدد فقط قدرة الأسر على تأمين وجباتها اليومية، بل يهدد أيضًا بتقويض المكاسب المحدودة التي تحققت في مواجهة الجوع وسوء التغذية.
وفي قطاع أنهكته الحرب والدمار والنزوح، يبقى توفير الغذاء حقًا أساسيًا لا يحتمل التأجيل، فيما يمثل ضمان استمرار عمل المخابز وتأمين رغيف الخبز أولوية عاجلة لمنع اتساع دائرة الجوع وحماية ما تبقى من مقومات الحياة.