هل ينتصر المشرط الوطني؟... وأين الجراح الماهر؟
شريف الهركلي
هل ينتصر المشرط الوطني؟... وأين الجراح الماهر؟
الكوفية في مقالي السابق، قلت إن الجسد التنظيمي لم يعد يحتمل المزيد من المسكنات، وإن مرحلة التشخيص قد طالت أكثر مما ينبغي. واليوم يفرض الواقع سؤالًا أكثر إلحاحًا: إذا عرفنا المرض، فمن يملك شجاعة العلاج؟
هل يوجد جراح وطني ماهر يستطيع أن يمسك بالمشرط بثبات، فيستأصل بؤر الفساد والترهل والانحراف دون أن يمزق الجسد؟ أم أننا سنبقى ندور في دائرة التشخيص، بينما يواصل المرض انتشاره بصمت؟
إن الحديث عن الجراحة الوطنية لا يخص تنظيمًا دون آخر، ولا فصيلًا بعينه، فالأوطان لا تُبنى بتنظيم واحد، كما أن الإصلاح لا ينجح إذا اقتصر على جهة واحدة. فجميع التنظيمات والقوى الوطنية مطالبة اليوم بإجراء مراجعات جادة لتجاربها، وتجديد أدواتها، وفتح الأبواب أمام الكفاءات والشباب، لأن المرض إذا أصاب جزءًا من الجسد الوطني امتد أثره إلى بقية الأعضاء.
الإصلاح لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ بالاعتراف بالخلل. فلا يمكن معالجة مرض يرفض أصحابه الاعتراف بوجوده، ولا يمكن بناء مؤسسات قوية إذا بقيت المحاسبة انتقائية، والكفاءة مؤجلة، والشباب ينتظرون دورهم على هامش المشهد.
من أين نبدأ؟
نبدأ بإعادة الاعتبار للكفاءة قبل الولاء، وللنزاهة قبل المحاباة، وللمؤسسات قبل الأشخاص. ونبدأ بإطلاق طاقات الشباب، فهم ليسوا مستقبل الوطن فحسب، بل حاضرُه أيضًا. كما يجب أن يُمنح أصحاب الخبرة والكفاءة حقهم في المشاركة بصناعة القرار، لأن الأوطان لا تُدار بمنطق الإقصاء، وإنما بمنطق الشراكة والمسؤولية.
ويبقى السؤال الأكبر: هل تمتلك القيادات، في مختلف التنظيمات، شجاعة اتخاذ القرارات الصعبة؟ فكل جراحة ناجحة تبدأ بقرار جريء، وقد تكون مؤلمة في بدايتها، لكنها تمنح الجسد فرصة للحياة من جديد.
وفي المقابل، تقع على عاتق الشباب مسؤولية لا تقل أهمية. فالإصلاح ليس انتظارًا للقرارات فقط، بل ثقافة وسلوك ومبادرة. كما أن على أصحاب الكفاءة ألا ينسحبوا من المشهد، لأن الفراغ لا يبقى فارغًا، بل يملؤه من لا يستحق.
ويبقى سؤال يؤرق الضمير الوطني: أين المواطن الذي أنهكته الأزمات؟ وأين الوطن الذي يودع أبناءه يومًا بعد يوم، وهم يحملون حقائب الهجرة بعدما ضاقت بهم السبل؟ عندما يغادر أصحاب الكفاءة، لا يخسر الوطن أفرادًا فقط، بل يخسر جزءًا من مستقبله.
إن المشرط الوطني ليس شخصًا بعينه، ولا تنظيمًا بعينه، بل هو إرادة جماعية تؤمن بأن الإصلاح ضرورة وطنية، وأن العدالة والمساءلة والكفاءة هي الطريق الوحيد لاستعادة ثقة المواطن، وتجديد الحياة في مؤسساتنا وتنظيماتنا.
لقد آن الأوان لأن تنتقل جميع القوى الوطنية من مرحلة تشخيص المرض إلى مرحلة صناعة العلاج، ومن تبادل الاتهامات إلى تحمل المسؤوليات، ومن إدارة الأزمات إلى بناء مشروع إصلاح وطني حقيقي، لأن الوطن أكبر من الجميع، ومستقبله لا يحتمل مزيدًا من التأجيل.
ويبقى السؤال معلقًا: هل ينتصر المشرط الوطني؟ وهل نجد الجراح الماهر قبل أن يصل الجسد الوطني إلى مرحلة يصبح فيها العلاج أكثر كلفة من المرض؟
يتبع...
المقال الثالث: "غرفة العمليات الوطنية... من يكتب وصفة التعافي؟"
سنناقش فيه: كيف يبدأ الإصلاح عمليًا؟ وما دور القيادات، والشباب، وأصحاب الكفاءة؟ وكيف تتحول الدعوة إلى الإصلاح من شعار إلى برنامج عمل وطني قابل للتنفيذ؟