أبو علي شاهين... رجل سبق عصره واستشرف العاصفة القادمة إلى غزة
حمودة أبو موسى
أبو علي شاهين... رجل سبق عصره واستشرف العاصفة القادمة إلى غزة
حين يُذكر الرجال الذين سبقوا زمنهم، وقرأوا المشهد قبل أن تتكشف ملامحه للناس، يقف القائد الفتحاوي الكبير أبو علي شاهين شامخًا في مقدمة الصفوف، لم يكن مجرد قائد تنظيمي أو مسؤول سياسي عابر في تاريخ حركة فتح، بل كان مدرسة وطنية كاملة، ورجلًا حمل فلسطين في وجدانه، وغزة في قلبه، واستشرف مبكرًا المستقبل المظلم الذي كان ينتظر القطاع حين تتغلب المصالح الضيقة والانقسامات على المشروع الوطني.
ولد عبد العزيز شاهين، المعروف بـ"أبو علي شاهين"، في قرية بشيت المهجرة قضاء الرملة، من أسرة دفعت ثمن النضال مبكرًا، فحملت ذاكرة اللجوء والألم، واستقرت الأسرة في رفح جنوب قطاع غزة... هناك في المخيمات التي صنعت الرجال، تشكل وعيه الوطني، وكبر وهو يرى شعبًا اقتلع من أرضه، وأمة تئن تحت الاحتلال والخذلان،
منذ شبابه المبكر، لم يكن أبو علي رجل شعارات، بل رجل فعل، انتمى لحركة فتح في بداياتها الأولى مطلع الستينيات، مؤمنًا أن الكفاح هو الطريق لاستعادة الكرامة الوطنية، تدرب عسكريًا، وعاد سرًا إلى الداخل الفلسطيني بعد الاحتلال، ليشارك في بناء الخلايا الأولى للحركة داخل الأرض المحتلة، واضعًا حياته على كف المغامرة في زمن كان مجرد الانتماء لفلسطين تهمة تقود إلى الموت...
لكن الاحتلال أدرك مبكرًا خطورة هذا الرجل، فاعتقله عام 1967، ليبدأ فصلًا طويلًا من المعاناة امتد لخمسة عشر عامًا خلف القضبان، اثنا عشر عامًا منها في العزل الانفرادي، كان يمكن للسجن أن يكسر الرجال، لكنه صنع من أبو علي أكثر صلابة، خرج من الزنازين قائدًا للحركة الأسيرة، ورمزًا للصمود، ورجلًا يفهم جيدًا كيف تُصنع الأمم من رحم المعاناة...
لم يكن أبو علي شاهين أسير اللحظة، بل كان قارئًا عميقًا للتحولات، أدرك مبكرًا خطورة العبث بالمشروع الوطني، وحذر من أن غزة قد تدفع الثمن الأكبر إذا تحولت من قاعدة للنضال الوطني إلى ساحة تجاذبات وصراعات داخلية، كان يرى أن تهميش غزة، وخنقها اقتصاديًا وسياسيًا، وتركها فريسة للانقسام، سيقود إلى مستقبل ثقيل بالأوجاع، وهو ما نعيشه اليوم بكل تفاصيله المؤلمة...
حيث كان أبو علي يقول، بلسان العارف بطبيعة الصراع، إن غزة لا تُهزم من الخارج فقط، بل قد تُستنزف من الداخل إن غاب المشروع الوطني الجامع، وإن الانقسام السياسي سيأكل روح القضية قبل أن يأكل جغرافيا الوطن...
يومها ربما لم يدرك كثيرون عمق ما كان يراه، لكن السنوات أثبتت أن الرجل كان يرى أبعد من الجميع، ورغم المناصب التي تقلدها، عضوًا في المجلس التشريعي، ووزيرًا، وقياديًا بارزًا في فتح، بقي أبو علي منحازًا للفقراء والمهمشين وأبناء المخيمات، لم يغيّره المنصب، ولم تأسره السلطة، وبقي صاحب كلمة صلبة لا تجامل حين يتعلق الأمر بالوطن...
رحل أبو علي شاهين عام 2013 بعد رحلة طويلة من النضال والمرض، لكنه ترك إرثًا ثقيلًا من المواقف والرؤى، رحل الجسد، وبقيت الكلمات التي تبدو اليوم وكأنها كُتبت لزمننا هذا، زمن غزة المثقلة بالحروب، والحصار، والانقسام، والخذلان...
رحم الله أبا علي شاهين... الرجل الذي سبق عصره، وقرأ المشهد قبل أن ينهار، وأحب غزة حتى خاف عليها من المستقبل الذي رآه قادمًا، بينما كان كثيرون مشغولين بحسابات اللحظة..