نشر بتاريخ: 2026/05/19 ( آخر تحديث: 2026/05/19 الساعة: 12:55 )
رجب أبو سرية

كيف سيتصرف ترامب لحسم الحرب؟

نشر بتاريخ: 2026/05/19 (آخر تحديث: 2026/05/19 الساعة: 12:55)

تبدو الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران ولبنان كما لو كانت «مباراة كرة قدم» ولكن وفق نمط «مباريات الكؤوس»، حيث يخرج المغلوب من إطار المنافسة، كما أن نتيجة المباراة تعتمد على الأخطاء الصغيرة، ومنها أخطاء التقدير، وحين يبدي الطرفان أو أحدهما، وهو غالباً المصنف في مستوى أدنى من خصمه عالمياً، ندية وقدرة على مقارعة خصمه، بحيث يسحبه إلى تمديد وقت المباراة، بشوطين إضافيَّين، ومن ثم إلى «ركلات الجزاء الترجيحية»، حينها لا يعود الطرفان واحداً أقوى من الآخر، بل ستكون حظوظهما في كسب المباراة متساوية، حيث تكفي «ركلة» حظ واحدة للفوز بالبطولة، التي بذل من أجلها الطرفان من الجهد والعرق الشيء الكثير.

والرئيس دونالد ترامب، بعد حرب الأربعين يوماً، وبعد ما أوقعه في إيران من قتل وتدمير، جرّب العديد من الاقتراحات الأميركية، التي كانت بمثابة شروط استسلام، ولم تتزحزح إيران قيد أنملة، بل أظهرت قدرة تفاوضية لا تقل عن اقتدارها الميداني في مقارعة القوتين العسكريتين الأميركية والإسرائيلية معاً، وقد قدّر جميع المراقبين بأن ترامب سيتخذ قراراً حاسماً بعد زيارته إلى الصين استناداً لما ستفضي إليه تلك الزيارة، لكن لا يبدو أن الأمر كان سهلاً، فترامب الذي لم يكن قادراً على تأجيل آخر للزيارة التي كان يتوقع أن يجريها بعد أن «يضع» إيران في جيبه كما فعل مع فنزويلا، فيذهب إلى الصين وبيده سكين الطاقة، يضعه على عنقها، فيأخذ ما يريده منها، خاصة المواد الثمينة اللازمة لاستمرار صناعته الخاصة بالتكنولوجيا، لكن لأن أربعين يوماً من الحرب على إيران لم تكسرها، بدليل عدم قبول ترامب نفسه لردودها على اقتراحاته أو قبوله لمقترحاتها هي، ومن تابع لقاء ترامب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، رأى «المتنمر» العالمي، الذي كثيراً ما تطاول على رؤساء أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية، قد تحوّل من «نمر» إلى «أرنب»، بل إن الصين تعمدت إهانته منذ أن وطأت قدماه أرض مطارها، هو ووزير خارجيته الذي غيروا اسمه حتى يتمكن من دخول «سور الصين العظيم»؛ لأنه خاضع لعقوبات صينية منذ أيام عضويته في مجلس الشيوخ.

باختصار لم يعد ترامب بشيء من الصين، سوى بانكسار يؤكد له أفول شمس أميركا وبزوغ شمس الصين، ولعل تحذير الرئيس جينبينغ لضيفه من مغبة الوقوع في فخ «ثيوسيديدس» كان واضح الدلالة، وهذا يبدو كمثل يدل على حتمية الحرب من قبل القوة العسكرية الآفلة في مواجهة القوة الصاعدة، كما كان حال «إسبرطة» اليونانية بعد أن تربعت على عرش القوة العالمية زمناً، إلى أن صعدت «أثينا» كقوة ناهضة، حينها افترض المؤرخ الأثيني والجنرال العسكري ثوسيديدس أن الحرب باتت حتمية بسبب مخاوف إسبرطة من نمو قوة أثينا.

والمعادلة هنا تحدد أن الحرب حتمية بسبب مخاوف أميركا من تنامي قوة الصين، وليس إيران فحسب، وصحيح أن تنامي قوة إيران يصطدم بفخ ثيوسيديدس الإسرائيلي، لكن على اعتبار أن إسرائيل حليف أميركا، وإيران حليف الصين، فإن فخ ثيوسيديدس ينطبق أيضاً على ترامب، الذي واصل حرباً معلنة ضد الحليفَين الخصمَين، إيران حين تنصل من اتفاق 5+1، والصين حين فرض عليها التعرفة الجمركية في العام 2018.

المهم أن ترامب لا يمكنه أن يبقى حائراً هكذا، وهو في حالة صعبة للغاية، ليس فقط لأن هامش المناورة بات ضيقاً، بل لأنه أولاً قصير النفس يريد عقد الصفقات بسرعة، وليس لديه الوقت ليدخل في صراعات أو في حروب طويلة، وقد كانت تجربته مع فنزويلا مثالية، لكن ليس كل الخصوم على شاكلة واحدة، وهو حاول أن يصطاد العصفورين بحجر واحد، أي أن يحصل على إيران، فيقبض على عنق الصين بالسيطرة على الطاقة، وبالتحديد على خط أنابيب النفط، الممتد من إيران إلى الصين عبر ناقلات النفط البحرية، لذلك، فهو بعد أن فشل في تحقيق أهدافه عبر حرب الأربعين يوماً، حاول أن يصطاد «السمكة» بالشبكة بدلاً من الصنارة، لكن إيران لم تقع في فخ التفاوض، ولا في شبكة الصياد، لذلك وبعد طول بحث وتمحيص، بين خيارات عديدة، كان منها، تنفيذ عمليات عسكرية محددة لاحتلال جزر، وعمليات إنزال لسرقة اليورانيوم، لم تجد طريقها للتنفيذ، لما تنطوي عليه من مخاطر، اختار ترامب ما يسمى الحصار البحري، وهو غير ما كان يهدد به من فتح لمضيق هرمز بالقوة العسكرية.

وكما أشرنا في «مقال» سابق، فإن إحدى أوراق القوة لدى إيران تتمثل في وجود «وكيل» آخر غير «حزب الله»، والحوثي، والحشد الشعبي، وهو وكيل كبير وعظيم، لا قدرة لأميركا على مواجهته لا اقتصادياً ولا عسكرياً، وهو الصين بالطبع، فللصين مصلحة أولاً في «تمكين» إيران من الصمود العسكري والسياسي في مواجهة أميركا، لأكثر من سبب، منها أن إيران تبقى حليف الصين، في بريكس وعلى المستوى الثنائي، ومنها أن عدم سقوط إيران عسكرياً يجر أميركا إلى حرب استنزاف تضعف قدرتها على مواجهة الصين في حرب مباشرة محتملة، أو بالوكالة في بحر الصين الشرقي أو الجنوبي، وكما يقول المراقبون: إن أميركا تخسر في حرب تخوضها، فيما تربح الصين في حرب لا تخوضها، والصين تراقب مدى القدرات العسكرية الأميركية، حتى إذا ما أنهكت القوة الأميركية، بات أسهل على الصين أن تدخل حروباً إقليمية، خاصة بها في شرق آسيا، دون أدنى خشية من التدخل الأميركي.

أما صمود إيران اقتصادياً، أي عدم سقوطها حتى في فخ التفاوض مع واشنطن، فيعني إفلات الصين من تحكم أميركي حتمي في حال قبضت أميركا على النفط الإيراني من جهة، ومن جهة أخرى لأن طريق أميركا في المنافسة الاقتصادية العالمية مع الصين مختلف عن طريق الصين، فاقتصاد الصين ينمو ويتعاظم من خلال ما تنتجه من سلع، تجد أسواقها في كل أنحاء العالم، أما أميركا فإن اقتصادها الاستهلاكي يعتمد على ما يجنيه من اعتماد الدولار كعملة تداول عالمي، ومما تسطو عليه أميركا من ثروات الآخرين، وهي اختارت فنزويلا لأنها الدولة المنتجة للنفط في أميركا اللاتينية، وهي من الدول الضعيفة عسكرياً، لذلك أغرت ترامب بالسطو عليها، بينما فكّر ألف مرة في أن يقوم بعملية السطو على دولة مثل المكسيك مثلاً، رغم الحروب التاريخية بين أميركا والمكسيك، والتداخل الحدودي والسكاني، وحجم الهجرة غير الشرعية، بينما فنزويلا ليست جارة لأميركا، وليست تلك الدولة المعروفة بتجارة المخدرات مثل كولومبيا على سبيل المثال.

ترامب الآن أمام معضلة، فهو في الوقت الذي يريد فيه حسم الحرب، يريد ذلك الحسم بسرعة، والانتخابات النصفية عامل ضغط آخر، كذلك ارتفاع أسعار النفط، وشريكه بنيامين نتنياهو واقع أكثر منه تحت ضغط عامل الوقت، لذلك وبعد أن صارت الحرب بكل أدواتها التقليدية وراءهما، في شهرَي آذار ونيسان، فإن الخيارات صارت محدودة، وهي بين أن ينسحب من الحرب دون إعلان، وقد عادت فعلاً حاملة الطائرات «جيرالد فورد» لبلادها، بعد أن أمضت قرابة عام في مياه المحيطات، لكن مع وجود 50 ألف جندي أميركي منهم 11 ألفاً من المارينز في الشرق الأوسط، لا يقفل باب الحرب، لذا السؤال هو: هل هناك سلاح يمكنه أن يحسم الحرب بضربة خاطفة أو سريعة حتى تحسم أميركا الحرب لصالحها؟

الجواب يقول: ليس هناك سوى ما يسمى السلاح النووي الإستراتيجي، أي استخدام القنابل النووية التكتيكية، ورغم صعوبة تخيل الأمر، إلا أنه مع ترامب ونتنياهو يبدو ممكناً، فأميركا هي الدولة الوحيدة في العالم التي سبق لها أن استخدمت السلاح النووي، وترامب فكّر به حين هدد بمحو الحضارة الإيرانية، وإعادة إيران للعصر الحجري، كما أن الرجلين: نتنياهو خاص أكثر من 3 سنوات ضارباً عرض الحائط بكل القوانين الدولية، حتى صار مطلوباً للقضاء الدولي، بتهمة ارتكاب جرائم الحرب، وترامب دخل منذ عام ونصف العام، طريقاً مفارقاً تماماً للقانون الدولي، باختطافه الرئيس الفنزويلي، وبقصفه إيران أولاً، ومن ثم شن الحرب عليها، حتى دون ورقة «التوت» كما فعل أسلافه من قبل في العراق، وهو أي ترامب يقوّض النظام العالمي تماماً، حتى أنه لا يحترم الكونغرس، ويسعى بكل شكل إلى الالتفاف على النظام الفيدرالي نفسه.