هل حروب الألفية الثالثة حروبٌ دينية؟!
توفيق أبو شومر
هل حروب الألفية الثالثة حروبٌ دينية؟!
برز خبرٌ طريف في كثير من الصحف يوم 4-4-2026 لم يحظَ بالترويج الإعلامي، وهو: «استضاف الرئيس، ترامب في المكتب البيضاوي جمعاً من أكبر قادة الكنائس الأميركيين، لكي يؤدوا الصلوات الكنسية، ويباركوا الرئيس ترامب في حربه الجارية ضد إيران، كانت الصلاة تركز على مباركة الرئيس ومباركة أميركا، وقد حضر هذه الصلوات القس البارز غريغ لوري، والقس غينزن فرنكلين بالإضافة إلى القس الإنجيلي البارز، جوني مور، والقس صموئيل رودريغز قال الأخير: أصبحت اللقاءات الدينية في البيت الأبيض تقليداً منتظماً في عهد الرئيس، ترامب، إننا ندعو الله أن يساعده للقضاء على قدرات إيران العسكرية والنووية، ردد المشاركون دعوات المباركة للرئيس، ترامب.
تلا الحاضرون الآيات ووضعوا أياديهم على كتف الرئيس لمباركته، ورددوا «يا أبانا الذي في السماء ندعوك أن تمنح رئيسنا القوة ليقود بلدنا للخير ولننعم بالحرية والعدالة» قال، ترامب يوم 5-3-2026: «منذ ثلاثة آلاف سنة، فإن إبراهيم وإسحق ويعقوب أخرجوا الإسرائيليين من العبودية إلى الأرض الموعودة، كان ذلك حدثاً رائعاً ولحظة مُذهلة»!
نظم المتظاهرون الأميركيون في الأيام السابقة تظاهرات عديدة في أميركا ضد عصر الحروب الدينية، تحت شعار: «لا للملوك»! وهذا يعني أن الرئيس ترامب تحول من رئيس دولة ديموقراطية، إلى ملك ثيوقراطي استبدادي، وقد ناقش الصحافي الصهيوني البارز، جونثان توبين المحرر والكاتب في أبرز الصحف الصهيونية مدلولات تلك التظاهرات، وقد اعتبرها تحريضاً على إسرائيل، لأن بعض المتظاهرين رفعوا علم فلسطين، صنفها بأنها تظاهرات لبقايا اليساريين، وهي نظرية، الرئيس، ترامب نفسه، أي أنها شيوعية تعادي الأديان.
الصحافي، جونثان اتهم الملياردير البارز، جورج سوروس بأنه وراء تلك التظاهرات، وأن مسيِّر هذه التظاهرات هو، عيزر ليفين وهو من مساعدي جورج سوروس! واتهم المتظاهرين بأنهم يبرزون مؤامرة جزيرة، إبستين الصهيونية، ربطوا فضائح الجزيرة بفضائح الرئيس، هدده الإسرائيليون مالكو الجزيرة إن لم يشارك إسرائيل في حربها ضد إيران، فإنهم سيفضحونه، لذلك فإن، ترامب وافق على شن هذه الحرب! غض كثيرون النظر عن أسباب تلك التظاهرات، ولم يذكروا أن أبرز الأسباب يعود إلى عقلية ترامب الأصولية والدينية وسقطاته اللسانية، ويعود كذلك إلى ارتفاع أسعار الوقود، وإلى قيود الهجرة المفروضة على المهاجرين، وإلى مشاكل الصحة والتعليم في أميركا!
الحقيقة هي أن نجاح دونالد ترامب في فترتين لا يعود إلى عقيدته السياسية، ولا إلى براعته التجارية، بل نجح بفضل عقيدته المسيحانية الصهيونية بالدرجة الأولى، أشرت مرات عديدة إلى أن الرئيس ترامب نجح بأصوات هذه الطائفة، وأن صحيفة الواشنطن بوست نشرت عام 2017 تقريراً مفصلاً عن آليات نجاحه في الانتخابات، ففي بداية حملته الانتخابية عام 2016 التقى بالقسيسة، باولا وايت، وقال لها: «أريد منكِ أن تدعمي ترشيحي للرئاسة، فطلبت منه وقتاً كافياً لتستشير (القوى الإلهية الدينية الخفية) عقدت مؤتمراً مكوناً من 35 قسيساً إنجيلياً في برج ترامب في نيويورك، وهناك أجرت طقوس الاستشارة الإلهية، وتمت الموافقة الخفية على ترشيحه، ثم انتقلت باولا وايت إلى الخطوة الثانية، وهي تجهيز جماهير المنتخبين، وتمكنت من تجنيد ملايين الناخبين من التيار المسيحاني الصهيوني، قال، ميتشل كوهين محامي، ترامب الأول عن هذه القسيسة: «باولا وايت مستشارة ترامب للشؤون الدينية، إنها ذات النفوذ الأكبر في حياة كل أسرة، ترامب»!
قارنت، باولا وايت بين، ترامب وبين المسيح، فهو عندها المسيح المنتظر!
حظي الرئيس ترامب بدعم أكبر الجمعيات المسيحانية الداعمة لإسرائيل وهي (مسيحانيون من أجل إسرائيل) وهم من أكبر المتبرعين لإسرائيل بالأموال، يبلغ عدد أعضاء هذه الجمعية حوالى عشرة ملايين مسيحاني صهيوني، بالإضافة إلى أن هؤلاء هم أكبر المؤثرين في مراكز صنع القرار في أميركا نفسها!
إن كثيرين من أفراد إدارة ترامب هم أصوليون بالدرجة الأولى وليسوا سياسيين، سأظل أذكر، ديفيد فريدمان سفير أميركا في فترة ترامب الأولى في القدس، عراب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ومحرض الرئيس ترامب للاعتراف بضم إسرائيل للجولان، وكذلك المستوطنات في الضفة الغربية، هذا السفير هو من طائفة الكوهانيم اليهودية، وهو الممول الأبرز لمستوطنة، بيت إيل، وهو داعم لتيار المسيحانيين الصهاينة، ومؤسس صحيفة، أروتس شيفع الاستيطانية، وهو العدو الأبرز لمنظمة، جي ستريت اليهودية التي تعارض سياسات الليكود.
هذا السفير كان ضمن حشد الكوهانيم، الذين وفدوا على القدس، عند جبل، (الهيكل) ليؤدوا جميعُهم صلوات، (بركات الكوهانيم) السنوية التي أُقيمت بالفعل في عيد البيسح، يوم الإثنين 2-4-2018، ارتدي السفيرُ شال الصلاة اليهودية، وزي الكوهانيم، ورَتّل الدعاء التوراتي المأثور، «فليبارككم الله، ويحرسكم، ويُشعُّ بنوره على وجوهكم، يا إلهي اصغِ إلينا، وامنحنا السلام، بعد أن اعترف الرئيس، دونالد ترامب، الشجاع، بأن القدس هي عاصمة إسرائيل، وقريباً سننقل السفارة إليها»!
أما سفير دونالد ترامب الحالي، مايك هاكابي المسيحاني الصهيوني، فقد فضحته مقابلته مع، الصحافي البارز، تاكر كارلسون يوم 20-2-2026 حيث قال: «لإسرائيل الحق من منظور توراتي في ضم أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، إن التوراة تمنح إسرائيل الحق في أراضٍ تمتد على جزء كبير من المنطقة، لا أرى بأساً في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، فهي حق توراتي يمتد من نهر النيل إلى الفرات»!
إكمالاً لصورة إدارة ترامب الدينية فإنني أشير إلى أعضاء بارزين في حكومته الأصولية الدينية، كان، مايك بينس نائبه في فترة ولايته الأولى، مسيحانياً صهيونياً متشدداً في أصوليته الدينية، لدرجة أنه كان لا يُقابل النساء منفرداً في مكتبه إلا بوجود زوجته!
أما، بت هغسيث صاحب الوشوم المسيحانية الصهيونية على الصدر واليد، فهو وزير حرب الرئيس، ترامب، وهو صحافي بارز في فوكس نيوز ينادي علناً بأن عهد (الحروب الصليبية) قد حان وقته، من المعلوم أن، جو بايدن الرئيس الأميركي السابق طرد هذا الوزير من حرسه الخاص بسبب هذه الوشوم، ولكن صداقة، بت هغسيث لنتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، جعلته شخصية مشهورة، قال عن نتنياهو: «هو صديق أميركا العظيم» هذا الأصولي لا يرغب فقط في استرجاع الحروب الصليبية، بل هو من أنصار تدمير إيران ومحاصرة الصين وروسيا، حظي هذا الوزير بدعم، دونالد ترامب الذي قال عنه: «إنه جندي مخلص شارك في حرب العراق وأفغانستان»!
بالإضافة إلى أن بت هغسيث هو أعز أصدقاء، جي دي فانس، نائب الرئيس ترامب!
كما أن، جي دي فانس هو أيضاً مسيحاني صهيوني مخلص لمبادئ إسرائيل الحريدية الدينية، كان فانس من أكبر الناقدين لسياسة، الرئيس جو بايدن لأنه أخَّرَ إرسالَ السلاح لإسرائيل!
أما، ماركو روبيو وزير خارجية أميركا فهو أيضاً الشخصية الأصولية الأكثر ولاء لإسرائيل، فهو أيضاً ينتمي إلى المسيحانية الصهيونية، وهو مغرم بالوشوم، رسم على جبهته وشم أربعاء الرماد في عيد الصيام، وهو يؤدي مهامه الدبلوماسية!
إذاً فإن كل طاقم الرئيس ترامب هم من الأصوليين المتشددين الذين جروا أميركا الديموقراطية من شعرها وسجنوها في الحظيرة الدينية المغلقة، ما يُلغي شعار أميركا الرئيس وهو: «أميركا حامية الديموقراطية في العالم»!
ويجب ألا نغفل تصريح الإعلامي الصهيوني والحاخام، مارك ليفين يوم 20-12-2025 بمناسبة عيد الحانوكاه، وهو يبارك، ترامب حين قال أمام، ترامب نفسه: «إنك أول رئيس أميركي يهودي محب لإسرائيل في تاريخ أميركا»!
إن نتنياهو يشبهه، فهو يردد دائماً ما ورد في التوراة من آيات حول تصفية (العماليق) أعداء اليهود، ولا ينسى نتنياهو قصة، أستير وهامان يرددها في عيد، المساخر أو البوريم، ويردد: «حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل»!
أخيراً هل التماثل بين أصولية كل سياسيي أميركا الجمهوريين الأصوليين، وبين أصولية حكومة نتنياهو الحالية مجرد مصادفة، أم أنه مخطط لتغيير نمط الحروب في ألفيتنا الثالثة من حروب سياسية إلى حروب دينية؟!