نشر بتاريخ: 2026/02/19 ( آخر تحديث: 2026/02/19 الساعة: 14:53 )
طلال عوكل

متى تتوقّف البيانات، وتتحوّل إلى إجراءات؟

نشر بتاريخ: 2026/02/19 (آخر تحديث: 2026/02/19 الساعة: 14:53)

بينما يركّز ما يسمّى بـ»مجلس السلام «، العالمي الذي جرى التوقيع على ميثاقه في دافوس يوم الثلاثاء المنصرم السابع عشر من هذا الشهر على قطاع غزّة، فإن الاهتمام الدولي يقصر كثيراً عن التركيز على ما تقوم به دولة الاحتلال في الضفة الغربية.

جاريد كوشنير في مداخلته خلال اجتماع في منتدى دافوس أعاد التأكيد مرّة أخرى، على الأهداف الإسرائيلية في الجوهر بشأن واقع ومستقبل القطاع، إعادة الإعمار أو الاستثمار وتحويل الأخير إلى «ريفيرا»، مشروط بسحب سلاح المقاومة، كل ما لديها من أسلحة كانت ثقيلة أم خفيفة وتدمير الأنفاق.

«الريفيرا» حسب كوشنير تعني أنه لا يمكن أن تتحقّق مع وجود الفلسطينيين على أرضهم، ما يعني أن خطّة التهجير حاضرة وإن بطرق مختلفة.

الحال ذاته الذي واجهه ويواجهه القطاع، يتكرّر في الضفة بوسائل أقلّ صخباً ولكن بإرادة إسرائيلية جادّة وقوية، لا تتوقّف عند التصريحات التي تصدر من هنا وهناك.

التهجير هو العنوان الأبرز، للفعل الإسرائيلي المتدرّج بعد فصل السكّان عن الأرض، وتحويل الضفة إلى مكان غير صالح للحياة، كما الحال في القطاع.

القرار الإسرائيلي بشأن توسيع الاستيطان، والسيطرة على الأماكن المقدّسة، وتوسيع جغرافيا القدس بما يتجاوز حدودها عام 1967، ومصادرة أراضي الدولة وهدم البيوت والمنشآت، كلّ ذلك بالتوازي مع تصعيد الاعتداءات من قبل جيش الاحتلال الاحتلال وميليشيا المستوطنين، وتوسيع دائرة الاعتقالات والتنكيل بالأسرى، كل ذلك مفردات لحرب شاملة تشنّها دولة الاحتلال بكلّ أدواتها على الوجود الفلسطيني.

وفي المشهد، أيضاً، إصرار دولة الاحتلال الرسمية، على إفقار السلطة ونزع صلاحياتها وتحويلها إلى بلدية في خدمة الاحتلال، وقتل الكيانية الفلسطينية التي تحاول السلطة تعزيزها.

المشهد لا يتوقّف عند هذه الحدود، ففي ظلّ الصخب الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، والتركيز على الملفّ الإيراني، يشكّل بالنسبة لإسرائيل فرصة سانحة للاستعجال في تنفيذ مخطّطاتها، وتعزيز هدف الضمّ الفعلي من دون إعلانات مباشرة، تجنّباً لردود فعل مختلفة عن ردود الفعل التي تصاحب عملية الضمّ الفعلي على الأرض.

هي الحرب على الوجود الفلسطيني قد بدأت منذ سنوات وقبل العملية الهجومية التي شنتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، ولكنها تصاعدت وتائرها، واتّسع نطاقها بعد ذلك التاريخ. ومع ذلك يستمرّ البعض ونقصد من الفلسطينيين محاكمة التطوّرات التي وقعت على أنها بدأت مع «الطوفان».

الجانب الإسرائيلي لم يقصّر لا بشأن الأهداف التي يسعى لتحقيقها، ولا بطبيعة الصراع المحتدم، ولا بشأن الوسائل التي سيستخدمها.

هي حرب وجود إمّا أو، هكذا يصوغ بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» المعادلة، ذلك أن تحقيق يهودية الدولة الديمقراطية لا يمكن أن يتمّ مع وجود ملايين الفلسطينيين، اللهمّ إلّا إذا قبل هؤلاء أن يكونوا على هامش الوجود اليهودي، وتحويلهم إلى مجرّد عبيد، أو عمّال كهؤلاء الذين يتمّ استقدامهم من دول أخرى للعمل في الدولة العبرية، ومن دون أي حقوق مدنية أو سياسية.

قبل 45 عاماً، وبعد الاجتياح/ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، كان أريئيل شارون قد قال وكرّر ذلك مراراً، بأن دولة الفلسطينيين هي في الأردن، وكان يسمّى ذلك «الوطن البديل».

إذاً هي ليست أفكار وإبداع نتنياهو وفريقه المتطرّف، وإنّما هي رؤية إسرائيلية صهيونية قديمة، سبقت اتفاقية أوسلو بكثير، وقُيّض لنتنياهو أن يكون الأكثر فعالية في تحقيق ذلك الحلم الوهم.

قد يذهب نتنياهو لسببٍ أو آخر، وقد يذهب إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، لكن ذلك لا يعني أن الخلفاء، سيتحوّلون عن تحقيق هذا الهدف، الذي قطع شوطاً كبيراً، من غير المحتمل التراجع عنه، ومن يفعل عكس ذلك سيكون متهماً بالخيانة العظمى لأهداف اليهود.

ومنذ البدايات، ظلّت البيانات، والتنديد والاستنكار هي الوسيلة الوحيدة للفعل العربي والإسلامي، وأيضاً لما يسمّى بالمجتمع الدولي.

في مواجهة القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة والقدس أصدرت جامعة الدول العربية، والمجموعة العربية والإسلامية، والاتحاد الأوروبي و80 دولة بيانات مندّدة، تقف عند حدود اعتبار ما تقوم به دولة الاحتلال على أنه غير قانوني وغير شرعي، وينذر بالتصعيد.

ينطبق هذا الموقف على السلطة الوطنية الفلسطينية التي لا تتوقّف عن إصدار بيانات التنديد، وكأنّ الشعب الفلسطيني فقد الخيارات، وفقد الإرادة. نذكّر بأنّ مثل هذه البيانات لم تردع دولة الاحتلال عمّا قامت به في القطاع، ولا ردعتها «الجنائية الدولية»، و»العدل الدولية»، و»العفو الدولية»، وكل بيانات الأمم المتحدة.

في مواجهة الإجراءات الملموسة لا تفعل البيانات شيئاً سوى تسجيل مواقف غير رادعة، الأمر الذي يلزم الفلسطينيين أوّلاً، أن ينتقلوا من حيّز إصدار البيانات إلى حيّز العمل والإجراءات الفعلية.