نشر بتاريخ: 2026/02/06 ( آخر تحديث: 2026/02/06 الساعة: 11:57 )
رجب أبو سرية

الشرق الأوسط بين خيارَي الحرب والتفاوض

نشر بتاريخ: 2026/02/06 (آخر تحديث: 2026/02/06 الساعة: 11:57)

ما زال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، يحاول مواصلة الحرب، إن كان في غزة أو في لبنان، بدليل الاختراقات المتواصلة، وعبر عدم الالتزام بتنفيذ ما اتفق عليه، كذلك هو يحاول بكل ما أوتي من تأثير ونفوذ على البيت الأبيض، أن لا يكتفي بما وقع في حزيران من العام الماضي، من حرب شنتها إسرائيل على إيران، وجرّت في يومها الأخير الولايات المتحدة للمشاركة العسكرية، بقصف المفاعلات النووية الإيرانية. والغريب أن أميركا_ترامب في كل هذه الملفات، كانت الطرف الذي حاول أن يطفئ نار الحرب التي ظل وما يزال بنيامين نتنياهو يريد الاستمرار بها، وصولاً الى تحقيق هدفه المتمثل في قيام إسرائيل الكبرى المهيمنة على كل الشرق الأوسط.

وما يزيد الأمر غرابةً هو ادعاء نتنياهو بأنه قد حقق النصر، أي أنه حقق أهداف الحرب العسكرية والسياسية، في كل الجبهات التي دفعت واشنطن للتوصل فيها لاتفاقيات وقفها، سواء في لبنان او غزة، او في إيران، فإذا كانت إسرائيل باغتيالها قادة حزب الله، وفرض الاتفاق المتضمن إخراج حزب الله بسلاحه من جنوب الليطاني، ونشر الجيش اللبناني بدلاً منه، قد حققت الهدف المعلن، فلماذا سارعت بعد الاتفاق الى رفع سقف المطالب لتشمل نزع سلاح الحزب من كل لبنان، وإذا كانت عبر خطة ترامب، وبعد ان اغتالت قادة حماس السياسيين والعسكريين، وحطمت قوتها العسكرية، على الأقل الجانب الهجومي منها، وما زالت تحتل نصف مساحة القطاع، قد حققت هدف منع غزة من ان تمثل تهديداً لمستوطنات الغلاف، فلماذا تصر على نزع سلاح حماس الفردي، غير الهجومي، وعلى تقديم الميليشيا العميلة كبديل عن السلطة، لو لم يكن هدفها الحقيقي هو الإصرار على التهجير ومنع قيام الدولة الفلسطينية حتى لو في غزة فقط.

ثم إذا كانت إسرائيل في حرب الاثني عشر يوماً، التي شنتها على إيران العام الماضي، حققت هدف تدمير المفاعلات النووية الإيرانية، فلماذا ترفع الآن سقف الأهداف بالقول بأنها تريد تدمير ما تبقى من قوة صاروخية، ومما تسميه وكلاء إيران في المنطقة، والأهم إسقاط النظام الإيراني، لو لم يكن هدفها هو إفراغ الشرق الأوسط كله من عوامل القوة، حتى لو كانت قوة دفاع عن النفس، ومن أنظمة ما زالت تؤمن بهذا القدر أو ذلك بعدم رفع الراية البيضاء أمام مشروع إسرائيل الكبرى.

ما يكشف أهداف إسرائيل الاستعمارية، هو ذلك الخلاف الذي يتأرجح ما بين صعود وهبوط بين حكومة نتنياهو بتركيبتها اليمينية المتطرفة والإدارة الأميركية، والتي عبرت عنها إضافة للتصريحات ستة لقاءات بين ترامب ونتنياهو خلال عام واحد فقط، من أجل تنسيق المواقف، حيث ليس هناك من شك، بأن إدارة ترامب القوية بفضل «تجانس البيت الأبيض مع أغلبية الكونغرس بمجلسَيه»، هي أكثر إدارة منحازة لإسرائيل، وآخر هدايا هذا الانحياز هو إقرار الميزانية من قبل الكونغرس متضمنة 6،5 مليار دولار مساعدات عسكرية لإسرائيل، هذا يضاف الى خوض أميركا الحرب طوال عامين الى جانب إسرائيل، رغم انفضاض كل العالم عنها، وصولاً الى قصف إيران في حزيران الماضي، وعدم الاكتفاء بإسناد إسرائيل بالسلاح والذخيرة، والأقمار الصناعية، رغم تفوقها العسكري، كذلك حمايتها سياسياً على الصعيد الدولي، بما في ذلك محاربة القضاء الدولي لاتهامه إسرائيل عن وجه حق بارتكاب حرب الإبادة.

والحقيقة هي ان الإدارات الجمهورية المتعاقبة في العقود الأخيرة، هي التي شنت الحروب الخارجية، سواء تلك التي وقعت عام 1991 ضد العراق، بتحريض إسرائيلي، أو تلك التي كانت عام 2001 على أفغانستان، ثم الحرب على العراق مجدداً عام 2003، التي أدت لاحتلاله وإسقاط نظامه، وكان الرئيس الجمهوري خلال تلك الحروب هو بوش الأب أولاً ومن ثم بوش الابن، وبينهما كان بيل كلينتون قد شارك في حرب الناتو ضد صربيا عام 1999، بينما اكتفى بحصار العراق خلال فترة حكمه ما بين 1992_2000، وركز على متابعة اتفاق أوسلو، لكنه اصطدم بالطبع بنتنياهو ومن بعده إيهود باراك، بينما اهمل بوش الابن ذلك الملف نهائياً خلال فترة إدارته ما بين عامي 2000_2008.

ملخص القول، الجمهوريون اكثر تشدداً، وأكثر ميلاً لفرض الهيمنة الأميركية على العالم، وأسرع من الديموقراطيين في استخدام الهراوة العسكرية، ويبدو ان إدارة ترامب الحالية تمثل ذروة النزعة القومية الأميركية، التي باتت ترى رغم التداخل الشديد بين أفرادها كونهم من اليهود، بمن فيهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، وبين إسرائيل، لكن إسرائيل بحكومتها الحالية التي تعتبر الأكثر يمينيةً في إسرائيل، باتت لا تحتمل، ولعل هذا ما يمنع حتى اللحظة من انفجار الخلاف بين الجانبين، بعد ان تجاوزت إسرائيل بحكومتها الحالية، مطالبتها التاريخية بتوفير الحماية لإسرائيل، الى المطالبة بتحقيق هدفها التوسعي بقيام إسرائيل الكبرى، بينما أميركا في عهد ترامب تسعى «لإعادة العظمة» لأميركا، بعد أن تجاوز الزمن مطلع تسعينيات القرن الماضي، وباتت دول عديدة تهدد النظام العالمي الأميركي اقتصادياً وعسكرياً.

وسبق أن قلنا وفي أكثر من مقال سابق، ومنذ زمن، أنه قد تأتي لحظة تضطر فيها أميركا ان تفاضل بين مكانتها كدولة تقود النظام العالمي، وبين استمرار الانحياز لإسرائيل بتلبية مطالبها أياً تكن تلك المطالب، وبالطبع الجواب على هذا التساؤل يتعمق، حين نفكر في ان جانبي العلاقة، رغم تحالفهما كدولتين وتقاربهما الشديد كحكومتين يمينيتين محافظتين، إلا انهما تواجهان معارضة أو حتى اعتراضات داخلية، وهناك أمثلة عديدة، إن كانت من الواقع الحالي، أو من التاريخ السياسي القريب، فحتى اتفاق أوسلو وقعته حكومة إسرائيلية، أقرت فيه ضمنياً بقيام دولة فلسطينية في نهاية مطاف الحل السياسي، واستناد حكومة نتنياهو الحالية الى قاعدة المستوطنين، واليمين الجابوتنسكي، لا تعني بأن مواطني الدولة خاصة في المدن ولا حتى يهود العالم يشاطرونه رؤيته الاستعمارية للشرق الأوسط، أما ترامب فالدليل على انه يقود أميركا بشكل مغامر لا يوافقه عليه ربما اكثر من نصف الأميركيين، هو محطة الانتخابات النصفية، واستطلاعات الرأي.

المهم أن أهم صفحة في السياق التاريخي منذ قيام النظام العالمي الأميركي، هي هذه اللحظة الراهنة، حيث يبدو أن ترامب يمسك العصا من وسطها، فهو يميل الى التهديد اكثر من التنفيذ، وتأكد هذا بقرارات التعرفة الجمركية، كذلك هو يفضل الحرب الخاطفة، اكثر من خوض الحروب المكلفة مالياً وبشرياً، كما فعل مع إيران العام الماضي، وفنزويلا مطلع العام الحالي، مستفيداً بالطبع مما لدى بلاده من تقدم استخباراتي وتقني عسكري، وهو ما زال يتجنب الانزلاق إلى مواجهة حادة مع نتنياهو، لكنه في الوقت نفسه، لا يدير ظهره لحلفاء أميركا في الشرق الأوسط، الذين باتوا يخشون فعلياً من طموح إسرائيل الإقليمي الكامن وراء شنها الحرب، وسعيها لتدمير إيران كما فعلت مع العراق من قبل، وهنا وصلت العقدة للحظة فارقة بين خياري الحرب والتفاوض، حيث يحاول نتنياهو ان يدفع ترامب بعد حشد قواته بشكل غير مسبوق في الشرق الأوسط، لشن الحرب على إيران، دون الأخذ بعين الاعتبار ما سينجم عن ذلك من فوضى إقليمية تريدها إسرائيل كمدخل لانهيار النظام الإقليمي، واقامة نظامها الإقليمي على أنقاضه.

بينما تحاول دول الشرق الأوسط كالسعودية، تركيا، مصر وقطر، وهي تقف على الطرف المقابل لنتنياهو ان ترجح خيار التفاوض، لتجنيب الشرق الأوسط الحرب التي تريدها إسرائيل، ومن الواضح بأن الأمر لم يحسم بعد، فبعد تهديدات ترامب وحشده البوارج وحاملات الطائرات في بحر العرب وفي البحرين الأحمر والمتوسط، بدت الحرب واقعة لا محالة في أي لحظة، لكن وحيث كان التدخل العسكري الأميركي قد تجاوز اللحظة الأنسب وهي لحظة الاحتجاج الشعبي، بحجة حماية المتظاهرين، فإن الإعلان عن فتح باب التفاوض، يبدو انه يؤجل لحظة إطلاق الحرب، بينما ما يعلن على الجانبين من بنود للتفاوض، وحتى من شروط، كذلك مكان التفاوض، ومن يشارك فيه، بدلالاته، يرجح بأن ترامب هذه المرة، لا يفاوض من اجل الخدعة، كما فعل في حزيران الماضي، او كما فعل مع الرئيس الفنزويلي مادورو، بل أنه يفاوض لأنه لا يضمن ان تكون حربه خاطفة، ولا أن تحقق الضربة الخاطفة هدف إسقاط النظام، حيث لم يعد الهدف مجرد تدمير هدف عسكري، ومع تورط ترامب بتحديد سقف زمني للتفاوض، رغم انه هذه المرة تعلم من المرة السابقة، فلم يحدده، بل قال إيران تعرفه جيداً، فإن التقديرات تشير إلى أن الأقرب هو التوصل لاتفاق مؤقت، يبعد شبح الحرب عن الشرق الأوسط، دون أن يحل مشاكله، لا في الخليج ولا في لبنان ولا في غزة.