نشر بتاريخ: 2026/02/01 ( آخر تحديث: 2026/02/01 الساعة: 19:23 )
عدلي صادق

لا مجال ليوجين هوسمان

نشر بتاريخ: 2026/02/01 (آخر تحديث: 2026/02/01 الساعة: 19:23)

الكوفية بقدر ما يفخر الفرنسيون بالمعماري والسياسي جورج يوجين هوسمان، صديق نابليون الثالث، الذي امتشق لقب بارون، فإن اسمه يندرج في قائمة الخبثاء، كونه صاحب مخطط التجديد الهادف الشامل لمدينة باريس في القرن التاسع عشر، وصاحب ما يسمى نظام "البولفارد" الباريسي، أي شبكة الطرق الشجرية الواسعة، التي قامت بدل الأحياء القديمة المكتظة، بمبانٍ ذات تنظيم عمراني دقيق، متجانسة الارتفاع، وأرصفة عريضة، بهدف تحسين الحركة، وضمان تسهيل السيطرة الأمنية.

كان لافتاً أن هوسمان، وتلاميذه من بعده، وضعوا أيديهم في العديد من مدن العالم، فشطبوا عن قصد الأحياء الاجتماعية، وبعضها في الأقطار العربية، عندما طُلب منهم محو الخصائص الاستثنائية للمدن القديمة القائمة، بدل استعراض مواهبهم في أرض جديدة خلاء!

عُرف منهج هوسمان بكونه البلدوزري. شوارع رئيسية واسعة، بواجهات متشابهة، ولا اهتمام بما وراءها. فالمخطط الهوسماني كان هدفه المضمر، قهرياً، يهدف إى تغيير باريس بعد الثورة الفرنسية لكي لا تقام المتاريس في الشوارع الضيقة. فهكذا قال مؤرخو المدينة. فـ "الإزالة البلدوزريه" كما يسمونها، تقصدت تفكيك المجتمع و تشتيته و إضاعة راوبطه التاريخية لذلك يلقب هوسمان بجزار باريس لانه لم يراع ظروفها الاجتماعية و التي تعتبر من الروابط الأساسية لسكان المدينة، على اعتبار أن المدينة أصلاً، هي هيكل قائم وفعاليات وطقوس يومية راسخة، وتاريخ حياة.

قبل أيام نُشرت صورة لمدينة كوزموبولتانية قيل إنها غزة التي يريدونها. مبانٍ شاهقة باشكال وتصماميم لا تحتملها مساحة غزة ولا تتقبلها ذائقة المجتمع. ففي حال توافرت النوايا والأكلاف، يمكن لمثل هذه المدينة المفترضة أن تقوم، مثلما قامت القاهرة الخديوية، التي فصلت ـ في عهد إسماعيل ـ بين المدينة القديمة والنهر الخالد، وأجهزت على الامتداد التاريخي للنمط القديم. كان اسماعيل مهووساً بالنمط الباريسي، لكي يتحقق بقفزة تتجاوز التطور الطبيعي، فاستدان ثم باع حصة مصر في قناة السويس بثمن بخس، ثم جرى استبعاده بتوافق فرنسي بريطاني تركي. ولم يهنأ بالجديد سوى الغرباء من الأروبيين المتمصرين يهوداً ورأسماليين وافدين، قبل الوصول الى طور "الجمهورية".

في غزة، وحتى في الضفة، لا شوارع طويلة عريضة تُفضي الى ميادين واسعة وتحفها مبانٍ عالية. وبحكم كونها ساحلية، وُجد شارع عمر المختار الذي يصل بين شرق المدينة وشاطيء البحر، لتخذ المدينة شكلها المحبب، وعلى جانبية التصميم الشعاعي للأحياء القديمة.

ربما يكون تدمير رفح، عاملاً محفّزا لواحد مثل القمرجي دونالد ترامب، لكي يتحدث هو وحاشيته عن مدينة من ناطحات سحاب. غير أن عناصر الخيبة المبكرة، لهؤلاء الإمبرياليين الرأسماليين، تتبدى سريعاً. فحتى وإن كانت رفح الآن، قد باتت أرض خلاء نبت فيها سريعاً أوراق "الخُبيزة" فإن لكل مواطن من رفح، من الذاكرة والسليقة والهمّة العالية، ما يزيد عن تحديد قطعة أرضه، وحدود بيته المهدم، لكي تعود المدينة الى سابق خصائصها، في العمران والاجتماع ونبض الحياة اليومية، ولا مجال ـ البتة ـ لمنهج إعادة الإعمار الهوسماني البلدوزري.