اللواء الذي يشعل المخيمات بدل حمايتها
ادوارد كتورة
اللواء الذي يشعل المخيمات بدل حمايتها
الكوفية من حماية اللاجئين إلى إدارة الفتنة: عين الحلوة والبداوي تحت تهديد القيادة المستبدة
تنويه للقارئ: جميع الأرقام الواردة في هذا التحقيق تغطي الفترة منذ قرار نزع السلاح في المخيمات الفلسطينية في لبنان في 21 أيار 2025 وحتى اليوم، وهي تكشف تصاعدًا غير مسبوق في الفوضى المسلحة، والاقتتال الداخلي، والانقسامات، تحت إدارة قيادة أمنية يفترض بها حماية المخيمات، فإذا بها تتحوّل إلى أحد أبرز عوامل تفجيرها.
المخيمات لم تعد مساحات للجوء، بل ساحات اختبار لفشل أمني ممنهج. عشرات الاشتباكات المسلحة، أكثر من اثني عشر نزاعًا دمويًا واسع النطاق، ثلاث عمليات اغتيال أو محاولات اغتيال، عشرات الجرحى المدنيين، ومئات العائلات التي نزحت مؤقتًا تحت وقع الرصاص، وانتشار شبه مطلق للسلاح في الأزقة والأحياء، فيما الردع غائب والمساءلة معدومة.
في عين الحلوة، تركزت غالبية الاشتباكات في الأحياء الغربية وحي الطوارئ، وهي مناطق شهدت أكثر من ثلثي الحوادث المسلحة منذ أيار 2025، وأدت إلى إصابة عشرات المدنيين ونزوح مئات العائلات مؤقتًا. الأحياء الشرقية والشمالية لم تسلم أيضًا من نزاعات الثأر والرصاص الطائش، مؤكدًا أن الفوضى باتت عامة وامتدت عبر المخيم بالكامل.
أما البداوي، المخيم الذي كان نموذجًا نسبيًا للاستقرار، فقد شهد تصاعدًا في النزاعات المسلحة، مركّزًا في الأحياء الجنوبية التي تمثل أكثر من سبعين في المئة من الإشكالات الأمنية، مع انتشار النزاعات الجنائية والخلافات المالية المسلحة والسلاح الفردي، في ظل إدارة أمنية عاجزة عن الحسم أو متعمّدة لإطالة الأزمة.
الخطر الحقيقي يكمن في العقلية القيادية نفسها. قيادة الأمن الوطني الحالية تتصرف بأسلوب استعلائي، تعتمد على فرض القوة بدل الشراكة، والتصلّب بدل الاستماع، والهيمنة الأحادية بدل العمل الجماعي، مما يفاقم الانقسامات ويغذي التوتر. أسلوب القيادة لا يقوم على ضبط المخيمات، بل على إبقائها في حالة تأزم مستمرة، تجعل المدنيين رهائن يوميًا للقلق والخطر.
الأكثر إثارة للصدمة أن هذه العقلية لا تقتصر على السياسة أو التخطيط الأمني، بل تمتد إلى الميدان نفسه. المخيمات لم تعد مهددة فقط من النزاعات المسلحة، بل من إدارة أمنية تتصرف كطرف فوق الجميع، تتجاهل التوازنات الداخلية، وتستبدل الاحتواء بالتصعيد، والدبلوماسية بالقوة.
في المحصلة، الأزمة لم تعد مجرد سلاح منفلت أو نزاعات داخلية، بل أزمة قيادة سياسية وأمنية كاملة. اللواء بحري لا يُنتقد فقط لفشله في ضبط الأمن، بل لكونه اختار نهج التصعيد كأداة، يفاقم الانقسامات، يغذي الفتنة، ويترك المخيمات تحت ضغط مستمر، تاركًا اللاجئين على حافة انفجار دائم، ومهددًا ما تبقّى من الشرعية الفلسطينية في لبنان.
منذ 21 أيار 2025، تكشف الوقائع أن ما يحدث ليس إخفاقًا عابرًا، بل مسارًا منهجيًا من إدارة الفوضى وتغذيتها بدل مواجهتها وحلها. المخيمات لم تعد مهددة فقط برصاص المسلحين، بل بعقلية قيادية اختارت التصعيد بدل الدبلوماسية، والعنجهيّة بدل الشراكة، وإشعال النيران بدل إطفائها.
وفي هذا السياق، يصبح التحذير واجبًا: استمرار الفلتان الأمني الممنهج والمقصود لن يقتصر على تأثيره المباشر على حياة المدنيين، بل سيترك تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والمشهد الفلسطيني في لبنان، ويزيد من تعقيد أي جهود مستقبلية لإعادة الشرعية والنظام. فإذا لم تتغير السياسات وتنتقل القيادة من إدارة الأزمة إلى احتواء المخاطر وحماية المخيمات، فإن التداعيات لا تحمد عقباها، وقد تتحول المخيمات من حاضنات للجوء إلى ساحات مفتوحة للفتنة التي يصعب السيطرة عليها لاحقًا.
نقلا عن موقع أمد الإخباري