اليوم الخميس 29 أكتوبر 2020م
مسؤول أمريكي: فرض عقوبات على تركيا بسبب منظومة إس-400 بات "حقيقياً جداً"الكوفية السلام الدافئ له طريق وأمامه هدف!الكوفية مهد مبعثرالكوفية د. عوض: الاعتقالات السياسية بحق كوادر فتح اغتيال معنوي للحركة ومناضليهاالكوفية مداهمات واعتقالات للمناضلين في مخيم الأحرار بالأمعريالكوفية أم سليمان.. مزرعة عضوية في مواجهة الاستيطانالكوفية مشروع قانون يدعو الكونغرس لتزويد إسرائيل بأكبر قنبلة غير نوويةالكوفية في الأمعري.. هل هناك قانون يمنع التأييد والمحبةالكوفية الدريملي: الصمت على ممارسات أجهزة أمن السلطة في مخيم الأمعري أمرٌ معيبالكوفية خاص|| "صب لبن" يوجه رسالة مفتوحة لمحمود عباس: المؤامرات بدأت تظهر بوقاحةالكوفية فيديو وصور|| أمن السلطة يقتحم مخيم الأمعري.. والشباب يشعلون الإطارات المطاطيةالكوفية "العليا للعشائر": الاعتقال السياسي جريمة وطنية تعمق الخلافات الداخلية  الكوفية "حشد" تدين اعتداء أجهزة امن السلطة على المشاركين بوقفة احتجاجية في مخيم الأمعريالكوفية "تمكين": استهداف أمن السلطة لمخيم الأمعري يتساوق مع مخططات الاحتلالالكوفية دحلان: ممارسات أجهزة أمن السلطة بحق كوادر فتح في الأمعري تجاوز واضح للقانونالكوفية 12 إصابة إثر حريق اندلع في مركز توقيف شرطة بيت لحمالكوفية أجهزة أمن السلطة تقتحم منزل النائب الفتحاوي جهاد طمليه برام اللهالكوفية أبو خوصة: اقتحام الأمعري وراءه ثأر شخصي قديم بين الرئيس عباس والمخيمالكوفية سياسيون لـ "الكوفية": الهجوم على مخيم الأمعري جريمة.. ويجب مناهضة سياسات السلطةالكوفية المصري مهاجمًا السلطة: لن تستطيعوا فرض سيطرتكم على الشعب بالديكتاتورية  الكوفية

بين أحمدين ويوسف

12:12 - 20 سبتمبر - 2020
علي الصراف
الكوفية:

 الصحافي لا يتقاعد، والكاتب يموت وقلمه بين أصابعه. ولكني في السادس عشر من سبتمبر 2020، “بلغت السن” على الأقل.

لقد كان يوما سعيدا، شعرت فيه أني طويت عمرا، وعملت فيه ما يُرضي ضميري. ولو قيض للأيام أن تعود، فسوف أفعل ما فعلت، إلا الخطايا التي تستوجب الغفران.

جلست على الشرفة، لأتنفس هواء جديدا، وأتطلع الى الرائحين والعائدين، بغبطة شخص صار يملك من نفسه مقدارا أكبر.

بدأت حياتي المهنية عام 1979 في مجلة “فلسطين الثورة” أيام كان يرأس تحريرها أحمد عبد الرحمن، وها هي تبلغ الفصل الأخير في “الغد” بين يدي مديرها العام أحمد الحزوري، ومديرها في لندن يوسف الاستاذ. وكانت المسافة بين أحمدين ويوسف من مقادير الله سبحانه، وكأنها بلسم خاتمه مسك.

دخلت “فلسطين الثورة” بتوصية من الحزب الشيوعي العراقي، ولكني لم أجد نفسي عراقيا هناك. كنا أخوة فحسب.

اجتماعات التحرير كانت بسيطة. نقاش في قضايا الأسبوع وتكليفات، وتنفض الجلسة الى غرف العمل، وكنت أقضي معظم الوقت في الأرشيف، الذي كان حجر الزاوية لكل شيء في ذلك الزمان. وهو “الأكاديمية” أيضا بما تُجبرك على مطالعته من قضايا وشؤون، وبما تتعلمه من أدوات الآخرين. والباقي في مقهى “أم علي” أسفل المبنى. وعندما كان يحين الوقت للكتابة، فقد كنت أغرق بعرقي، من أجل صياغة فكرة معقولة واستنتاج رصين. لا أدري كم كنت رصينا. أشك في ذلك الآن. ولكن لم تُرفض مقالة واحدة، ربما لأنها كانت تصل الى مدير التحرير مبللة بالعرق.

تعلمت أول دروس الصحافة على يد قاص شيوعي فلسطيني من الخليل لا أعرف كيف وجد نفسه في قيادة “محلية ديالى” للحزب. ولكن نوافذ العراق كانت فلسطينية في ذلك الوقت.

بيروت كانت هي التي جعلتني أرى، إنه ما من شرف في الدنيا أعظم من أن يكون المرء فلسطينيا. لا جائزة ولا مال ولا حتى امتلاك نصف الأرض (والنصف الباقي ماء). ولكن ليس لأنهم شعب بطولات وتضحيات ومعاناة وصبر، بل لأنهم مجانين. ولقد وقعت بسببهم في غرام الآر بي جي، التي تدربت على استخدامها في معسكر “الجبهة الديمقراطية” في “الناعمة” على طرف بيروت الجنوبي.

دع عنك غارات إسرائيل. فهذه كانت مما لا يُخيف. يوم واحد فقط، أصاب كل محرري “فلسطين الثورة” بذعر حقيقي.

في آخر المجلة، كانت هناك صفحات لقصة من قصص الأطفال. تتصدرها مقولة للقائد أبو عمار. وشاءت الأقدار أن تكون القصة ذلك اليوم بعنوان “الحمار الفلسطيني”. ما كان من شيء مقصودا على الإطلاق. خطأ إخراجي فقط، هو الذي ساق العنوان ليكون قريبا من الاسم. ماجد أبو شرار قلب الدنيا. وكادت الفرقة 17 تعتقل الجميع.

بعد رحلة الى كردستان العراق، انتهت بالاستقالة من الحزب الشيوعي، عدت الى الشام، ولم أجد ملاذا آمنا إلا في مجلة “الهدف”. دخلت الى مكتب بسام أبو شريف لأرى وجها جميلا بإشراقة شرف مذهلة. قلت له أنا عضو في اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، عدت للتو من كردستان مستقيلا، وأريد عملا. فقادني الى رئيس التحرير (صابر محيي الدين) الذي قال لي: ها هنا مكانك، ودلني على غرفة التحرير.

عرفت بين بيروت ودمشق من ظلوا في القلب ينبضون: محمد مشارقة، وعريب الرنتاوي (عماد رحايمة)، وهاني حبيب، وعدنان حسين، وفاضل الربيعي، وفاطمة المحسن، وفالح عبد الجبار، ونبيل الحيدري (زهير المخ)، وفايز سارة، وزهير الجزائري، ووليد جمعة، وعبد الله صخي، وشريف الربيعي، وعبد الحسين شعبان، وآخرون لو عددتهم لكانوا هم العمر، وهم الذين صنعوه.

يمر الصحافي في حياته بخمس مراحل على الأقل. يحاول في الأولى أن يختفي بقلة خبرته. ويحاول في الثانية أن يحشر رأسه بين الرؤوس. ويحاول في الثالثة أن يظهر وكأنه شيء مهم، ويحاول في الرابعة، أن يوجد لنفسه مكانا لائقا، وليكتشف في الخامسة أن هذا كله هراء ولا قيمة فيه.

الكثير من الصحافيين يبقون في إحدى المراحل الأولى، لتعرف أنهم في الواقع لم يدركوا اللغز الفظيع في هذه المهنة: أنها صنعة النسيان. خبر من بعد خبر، قضية من بعد أخرى، تكتب لتمحو، فتعود لتمحو من جديد.

إنها معركة حياة فحسب، نحياها كما قُدّرت لنا فحسب، لا نُعطي أكثر مما نستطيع، ولا نأخذ أكثر مما هو مكتوب.

دارت بي الدنيا بين رئيس تحرير يدفع رواتب موظفيه في البار، الى رئيس تحرير يقف ليقول اختر مكانك ابتداء من هذا المكتب (يقصد طاولته) الى أي غرفة تشاء.

كان حسان الزين رئيس تحرير مجلة “الشاهد”، واحدا من أنبل من عرفت في هذه المهنة.

كنا في تونس، ذات يوم، للمشاركة في مؤتمر ما، فإذا بأعيننا تلتقي من بعيد. قام من مكانه فاردا ذراعيه، وقمت. وفي الممر بين الحاضرين كانت حفلة من الأحضان والقُبل، تحولنا فيها نحن الى مشهد. ولكن عدنا لنفترق، على أمل باحتضان جديد، وعلى أمل بدنيا “شيمتها الغدر”.

ولا أعرف فشلا وقلة ذوق في نفسي أكثر مما عرفت في الجزائر. ذهبت الى هناك لأغطي الانتخابات البلدية التي تقدمت فيها “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، بقيادة عباسي مدني عام 1990.

ذهبت الى منزله في “حيدرة”، وكان من فشلي أني لم اتجشم عناء معرفة صورته على الأقل. جلست وسط آخرين من قيادة الجبهة، يستعدون لاجتماع، بينما كان مدني يخدمهم بالشاي، ولم أعرف أنه هو حتى جلس بقربي وبدأ الترحيب. شعرت أنه أدرك جهلي به، فأسعفني لكي لا أعتذر. ومع ذلك، فقد كنت عدائيا معه. قلت له، من بين أول ما قلت: “جبهتكم تبدو وكأنها حزب فاشي، يتعمد استخدام شعارات لا معنى لها. تقولون “الإسلام هو الحل”. فكيف يكون الإسلام هو الحل مع صندوق النقد الدولي؟”. وكانت ديون الجزائر الخارجية في ذلك الوقت تزيد على 20 مليار دولار. ولكنه ظل هادئا وتصالحيا وحاول أن يؤكد اعتدال مقاربته لتخليص الجزائر من الفساد.

قلة الذوق الأشد، أعقبت ترحيبا استثنائيا من جانب عبد المالك بن حبيلس رئيس المجلس الدستوري في الجزائر، الذي أخذني الى منزله، ثم أعد لي دعوة على العشاء برفقة عدد من المثقفين في “فندق الجزائر” الذي كنت أقيم فيه.

بين مقابلة وأخرى، ما حصل هو أن التجوال الكثير أرهقني، والحرارة التي لم تكن مما أتحمله أغرتني بالنوم على أمل أن أصحو قبل السادسة مساء.

نمت ولم أصح إلا في الثامنة، وبقيت غارقا بعرقي من الخجل الى يومنا هذا. توفي بن حبيلس عام 2018 ولم أعرف كيف أعتذر. ولكني تعرفت هناك على واحد على الأقل من أدباء الجزائر الكبار، هو صاحب “اللاز” الطاهر وطار، وكان حينها مديرا للإذاعة. أخبرني، من بين طرائف الأمور، أنه يكتب في الليل وينام نهارا. سألته، كيف يدركه النوم في ساعات النهار، قال: افتح الإذاعة الليبية لأسمع خطابات القذافي فيغلبني النعاس.

كنت ما أزال احتاج شهرا، لكي انجز كتابي “اليمن الجنوبي من الاستعمار الى الوحدة”، عندما ذهبت الى صحيفة “العرب” لأقابل رئيس تحريرها أحمد الصالحين الهوني. أعطيته “كارت” من أحد معارفه القدامى من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا السنوسي، نجدت فتحي صفوت. قلت له إنه طلب مني ألا أذهب الى أي مكان طلبا للعمل قبل أن آتي إليك. قال: ابدأ غدا. قلت: أرجوك أن تعطيني شهرا لأنجز ما بقي من كتاب. قال: الكتاب يمكنه أن ينتظر. أراك غدا. والكتاب لم يُنجز إلا بعد عام، وصدر عن “رياض الريّس”.

علي قاسم وهيثم الزبيدي، والأخوان محمد ويوسف، وعمهما حسن الهوني، كانوا جزءا من فصل مجيد، أعاد صياغة الخبرة في العمل اليومي، وأعاد صقل الكثير. ولكنه صنع عذوبة زمالة لم أعرف مثلها من بعدهم على الإطلاق. وكان للصداقة مع علي وهيثم، أن جعلت المحبة نوعا مما يصنع الثقة بالنفس، لأتعلم من بعدهما أنك إذا عثرت على صديق يمنحك الثقة، فإنها جديرة به هو أكثر مما أنت جدير بها.

وما صديق أحببته وظل يضايقني بذاكرته أكثر من كرم نعمة. قلت له، ذات يوم، “إني إذا رغبت بأن أعد كتاب الخواتيم، فأنت آخر من أتمنى أن يقرأه”، لأنه سيذكر أين ومتى نشر هذا الشيء أو ذاك. حتى أنه لم يتردد ذات مرة في أن “يفضحني” بما قلت في سالف الأيام. وبقيت لا أجرؤ على “بلع الموس”، وبقيت راضيا بالفضيحة، وبه طبعا.

شيء ملفت، على طول الخط، تراه في كل غرفة تحرير، لأي صحيفة أو محطة تلفزيون، هو أنها تفتح أبوابا على كل بلد عربي. ويمكنك أن تعرف من بعد ذلك، وسط كل السجالات، أن هذه الأمة، هي أمة واحدة بالفعل. وصحافيوها دليل.

وأذكر من خطاياي خمسا. وأبكي أحيانا ساعة أطلب من الله سترها. حتى لأتمنى أن أدس رأسي بالتراب.

ولئن نجوت لبعض مرات من الموت، فأكاد أعرف لماذا. فالله سبحانه، لم يشأ أن أذهب إليه بميزان هزيل. ولكني أخلصت في عملي، على قدر ما أملك. وكنت أؤدي الواجب، ليس بوصفه واجبا، وإنما بوصفه امتيازا. ولم أخلف Deadline ولا لمرة واحدة.

ولئن كان هاني حبيب يُحصي صفحاته من أول الأسبوع، فقد حدث وعملت مع مدير تحرير لا يُحصيها إلا في آخر يوم. وفاجأني ذات مرة، قبل ساعتين من إرسال الجريدة إلى المطبعة، بأن لديه صفحة كاملة ناقصة، فقمت بتغطيتها بقصة مردخاي فانونو الذي كشف بعض أسرار القنبلة النووية الإسرائيلية. ولكني أشهد بأن عدنان حسين، وكان زميلا في تلك الجريدة أيضا، كان أسرع مني وأكفأ، حيال كل طلب عاجل. وكان النقص يومها صفحتين لا واحدة.

دراما من 41 سنة رأيت فيها الكثير، ولكني رأيت فيها بارعين تتعلم منهم، ومتدربين شقوا الطريق حتى سبقوك، ومدرسة لا تنتهي، كما رأيت في خاتمها جُمّارا يتقدُ نقاء وعذوبة.

ولقد كان من المناسب تماما أن يُكتب السطر الأخير، بين “أخوة فحسب”. حتى لكأن هناك من شاء أن يوصل الخيط بالخيط، ويُغلق الدائرة.

والله أكبر صانع دراما في الوجود. يخلط المصائر بالمصائر، ويملك العاقبة.
"الغد".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق